الطفولة ضعف شامل وفي ذلك العبرة – كتاب الإنسان سافك الدماء

الطفولة ضعف شامل
()

الطفولة ضعف شامل وفي ذلك العبرة – كتاب الإنسان سافك الدماء

الطفولة ضعف شامل وفي ذلك العبرة من كتاب الإنسان سافك الدماء، الباب الأول – الفصل الثالث، تأليف دكتور نبيه عبد الرحمن عثمان غانم.

الطفولة مرحلة الضعف الأولي في مسيرة الحياة الإنسانية، وتبدأ من الولادة وتمتد حتى مرحلة البلوغ والرشد، واستعراض هذه المرحلة وما بها من سمات الضعف والوهن يضع الإنسان أمام حقائق تدعوه للتوقف والتأمل والتدبر وأخذ الموعظة. وتنهاه عن الكفر والفسوق والبعد عن منهج الحق والشطط في إتباع الهوى. وهي مرحلة إعداد وفترة اكتساب وتدريب وتعلم. ومرحلة تنمية للمهارات والقدرات.

يأت الطفل لهذه الحياة باكيًا لا يعلم شيئًا عاجزًا ضعيفًا لا يملك قوت يومه فأطعمه الله لبنًا طيبًا صائغًا للشاربين. قدرة الله وفرت له طعامًا كاملًا معد بحكمة الخالق وعلمه فيه ما ينفع المولود الضعيف، دون عناء وكد وتعب، يمنح الدفء، ويغذي الجسد، إنه حليب الأم، فهل من قادر على خلق مثله. هل يتذكر الإنسان ذلك؟ كلا ثم كلا. ألم اقل إنها مرحلة فيها الدروس والعبر لمن أراد أن يعتبر. هل بدون الحليب يحيى الطفل؟ هل الطفل حديث الولادة قادر على تناول الطعام وإعداده؟ من علم المولود كيف يرضع ثدي أمه ليحصل على طعامه ويشبع جوعه.

وأقف هنا منوهًا إلى أن عملية الرضاعة مهمة ميكانيكية تتعاون في تحقيقها الأم والطفل وبدون هذا التعاون لن يكتب لها النجاح، وهي آية إعجاز تدل على قدرة خالقها والمنعم بها على الإنسان والمخلوقات الثديية، وهي عملية فسيولوجية هرمونية تخضع لنظام دقيق من العمليات الحيوية في جسد الأم، وتعتمد على مهارة عجيبة يأتي المولود مزودًا مهيئًا مهديًا للقيام بها. فمن هدى هذا المولود العاجز الضعيف كي يرضع من الأم. إنه الله هو الذي خلق فهدى.

قال تعالى {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50)} سورة طه.

تلك عبرة نقف عندها، ويجب أن نستحضرها كل حين، هل تلك الهداية أمر عادي منحته الطبيعة كما يدعي الكفرة، إنهم يرون أنه بالإمكان تعليل كل ظاهرة في الكون والحياة بدون الله. والذي لا يمكن تعليله الآن من الممكن تعليله مستقبلًا، ونقول لهم هل في الدنيا شيء بدون صانع، وهل يستقيم عمل ويستوي فعله بدون راع؟ فما بال الكافر يجحد حق المالك الخالق الباري الهادي، وهل من خالق وهادي غير الله الذي ظهر باسمه الهادي في كل شيء.

إن الهداية الكاملة لكل شيء مخلوق، تشير إلى ذات هادية. وهداية الله للطفل رحمة ودليل إعجاز وقدرة. ولولا تلك الهداية ما عاش طفل، وهي وسيلة عناية وظاهرة لطف ورعاية. فالطفولة مرحلة ضعف عام، تشمل الجسد والعقل، فالجسم مرتخي بلا حراك، والعقل بلا وعي وإدراك، وكيان بلا حول ولا قوة، عاجز يطلب العون ويرجو المساعدة. ولولا رحمة الله وحنان الأم ما عاش مولود، فمن أنعم على هذا العاجز المسكين بالعناية والحنان. أهي الطبيعة؟ ومن الذي وفر له الرعاية والأمن والأمان في كنف الأحضان، وتلك عبرة لا بد أن نقف عندها، نفهمها ونتدبرها.

إنها ظاهرة عاشها كل إنسان ومر فيها كل البشر بلا استثناء، إنها ظاهرة العناية، أيها الإنسان هل تعلم عن أيام الطفولة الأولي حين كنت مولودًا واهن القوى، بلا عزم وإرادة، وسيلة تفاهمه وبيانه البكاء، ولسان حاله الرجاء، تمتد له يد الحنان، ويتعهده حضن الأمان.

هل تتذكر ذلك أيها الإنسان؟ بكل تأكيد لا تذكره لكنك شاهدت ظاهرة العناية بالطفل بعد أن كبرت واشتد عودك، هل أدركت مدى نعمة العناية الإلهية بالطفل، هل أدركت أن كل نعمة في الكون أتت من منعم، لكن جهل الإنسان الذي ينتج عنه الكفر، والكبر الذي ينتج عنه الظلم، هو الذي يجعل الإنسان لا يرى نعم الله ولا ينسبها إليه.

قال تعالى {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)} سورة لقمان.

قال تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)}سورة النحل.

قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)}سورة الحج.

ومع ضعف الطفل وهبه الله استعداد لتطور والنمو.. وأودع الله في كيانه غرائز وقدرات كامنة خفية متطورة وتتدرج ملكاته تميزًا.. ويكتسب مهارات تدفع مسيرة حياته حثيثًا نحو بلوغ ورشد وقوة، ينمو الطفل بالغذاء، ويشتد عوده بالرعاية، وتقوى بنيته بالعناية، وأطوار نمو الطفل الجسدي وتكرار نفس النمط بين كل الأطفال في كل زمان ومكان دليل على أن يد الله رتبت وهي ذاتها هدت وهي ذاتها رعت واعتنت. هل هناك تباين أو تغاير في مراحل نمو الطفل؟ إنه ناموس موحد ثابت ينطبق على كل أطفال العالم دون اعتبار للون أو لجنس.

عملية نمو الطفل مقدرة بدقة وإحكام وذات وتيرة ثابتة محددة المعالم والخطوات، وهي بداية بالجنين.. ثم مولودًا.. ثم طفلًا.. مرورًا بالجلوس والوقوف والمشي وانتصاب القامة، مراحل نمو عضوي متوالية مترابطة، تلك آية النمو العضوي في كيان الطفل.

أما التطور النفسي والذهني فهو آية أخرى، نأخذ منها العبر. نتعرف منها على قدرة الله وعظمته. طفل يخرج للحياة بلا علم ولا معرفة. بدون إدراك أو وعي.. ثم ينمو الوعي والإدراك.. ويتطور الفهم.. وتصقل الملكات وينطق بالبيان.. ويتعلم الأسماء.. ويعمل العقل والذكاء.. ويستوعب العلوم.. ويستنبط الحكمة.. ويتوهم الأمور والأحداث.. ثم يصبح رجلًا له شخصية وحضور وكيان.. إنها يد مالكة رتبت. وذات قادرة خلقت.. وإرادة الله اقتضت وشاءت. أي قدرة هذه أحالت طفلًا جاهلًا ضعيفًا فأصبح رجلًا راشدًا ذا قوة وحكمة وسطوة.. صار صاحب فكر وحصافة ورأي وبالأمس كان لا يعلم شيء. أي قوة هذه تدفع هذا المخلوق من طور لآخر ومن مرحلة لأخرى.

هل من غير الله خالق؟ هل من قدرة غير قوة الله خلقت الإنسان ومنحته أسباب الحياة، وجعلته في قلب الكون سيدًا، أيها الإنسان الكافر بربه أنت من خلقك الله وحركة حياتك من أمر الله ونمو جسمك وعقلك بقدرة الله، وحياتك وموتك بإرادة الله. وكفرك مقدر بعلم الله. أيها الكافر فكر معى، أليس الطفل الضعيف بنعم الله وفضله ينمو ويتطور ويرتقى صاعدًا في مسيرة حياته وتتبدل أحواله من ضعف لقوة ومن قاصر لبالغ ومن مولود لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك، لمخلوق مفكر عالم ثاقب البصر مرهف الحس متخيل حكيم؟ إنها قدرة الله وراء ذلك، فهل من مذكر وشاكر؟

أخي الإنسان أنظر لجوارحك إنها منافذ الجسد علي الكون، لترى آيات الله ساطعة تأمل البصر ألا ترى فيه نعمة بالغة ومن حرمه فقد الإحساس برؤية الجمال والتعرف عليه ورؤيه الكون من حوله على حقيقته وواقعه المنظور المشاهد؟ انظر للسمع وسيلة الاتصال تخاطبًا وتفاعلًا مع الآخرين، منها يتعلم الطفل الكلام والنطق واللغة ويتلقى العلوم، أليست كل جارحة آية؟ فيها كل جزئية آية أخرى تستوجب الشكر لخالق الجوارح.

قال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)}سورة الانسان.

قال تعالى {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (23)} سورة الملك.

قال تعالى{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)} سورة الجاثية.

والمراد بالإنسان في هذه الآية عموم الناس وسائر البشر الذين خلقهم الله من علق ووحدة الخلق هذه دليل قدرة، وقد خص الله الإنسان في هذه الآية بالذكر تشريفًا له وتقديرًا لمكانته وشأنه وعلو قدره، وأشار الحق إلى أهمية الجوارح والعقل في حياة الإنسان. بالعقل ألحق الله الإنسان بعالم الملائكة، وتأهل به لمعرفة خالقه. به استنبط العلوم والمعرفة وبصائر الحكمة، وهو محل التمييز بين الخير والشر، وبه أختص الإنسان بالعلم والبيان.

والمتأمل يدرك فورًا؛ أن التطور الذي يخضع له العقل في مراحل نمو الطفل آية كبرى تشير للخالق، فالطفل يولد بلا إدراك أو فهم، آفاق الفكر محدودة ونطاق الوعي ضيق، وبلا قدرات أو مهارات، جوارحه شبه معطلة، وقواه ضعيفة لا يتحرك ولا يقوى على فعل شيء، في حين نشاهد مولود المخلوقات الأخرى يولد قويًا يشب واقفًا بعد لحظات من ولادته ثم يدب فيه النشاط والحركة.

قال تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} سورة النحل.

قال تعالى {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (6)} سورة الزمر.

قال تعالى {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32)} سورة النجم.

أليس حريًا بالإنسان أن يستحضر لحظات الضعف عند ولادته؟ ألا يدعوه ذلك للعبرة و التذكر حين يقسو القلب ويكفر بخالقه، أو حين يعصى ربه ويضل عن سبيل الهدى. هل نسي الكافر نعم الله عليه؟ فقد كان طفلًا ضعيفًا ثم أصبح رجلًا قويًا عاقلًا، هل نسي كيف أتى للحياة عاري الفكر والجسد ثم تطور حاله ليصبح بشرًا بالغًا عالمًا واعيًا، لماذا ينسى الكافروالجاحد والفاسق والفاسد واهب النعم رب الكون الذي أمده بمقومات الحياة حتى صار امرئ ذا بأس وشده وصاحب حكمه وبصيرة، يكد وينصب ويشقى ويتعب، يملك الثروة وذا سلطان وجاه. لماذا لا يتذكر الكافر والملحد والفاجر والظالم ربه الذي خلقه وسخر له النعم جميعًا ووهبه القدرة وأودع في جسده طاقة التطور والتغير والتبدل؟

هل اعتقد الإنسان الضال أن نموه وتطوره نفسيًا وعضويًا حدث بفعل مجهول أم بقدرة الطبيعة. هل سأل الكافر نفسه من وهب الأم الحب والحنان لوليدها ؟ من أودع في نفسها العطف والرحمة تحيط به طفلها؟ من ألهمها توفير طعامه؟ ومن دعاها للدفاع عنه ورعايته وحمايته؟ من الذي حثها لتكرس حياتها في تربيته؟ من الذي هداها وجعل في نفسها عطاء الأمومة طائعة؟ من الذي علمها كيف ترضع ولدها وتطعمه تحرم النفس لتوفر له حاجته ؟ من الذي أوزع في نفسها الخوف على طفلها ودعاها كي تلفه برداء العطف والمودة، هل من حب فائض نقي مخلص كالذي يعمر قلب الأم نحو ابنها، من هداها لذلك هل من أحد غير الله.

إنها نعمة الله لبني البشر أن أودع في كيان الأنثى عاطفة الأمومة؛ تلك العاطفة التي وفرت للطفل الحب والحنان والعطف والأمان ومنحته الدفء وأظلته بالرعاية والحماية. هل سأل الكافر نفسه من أودع كل هذه العواطف في نفس الأم؟ إن في ذلك عظة وعبرة لمن أراد أن يتدبر آيات الإعجاز في خلق الإنسان. هل تغيرت الأم ودورها ومهمتها في الحياة منذ أن خلق الله حواء وحتى يومنا هذا؟ الأم هي نفس الأم لم يتغير دورها ولم يختلف عطاءها وحبها وحنانها.

إنها يد الله التي صنعت وصورت خلق حواء فكان جسدها قرارًا مكينًا للخلق ومصدر غذاء للمخلوق، وجعل حضنها مبعث دفء وحنان للمولود، وأسكن في قلبها الحب، وصارت ذراعيها طوق أمان، وأصبح عقلها الموجه والمعلم والمدرب للطفل، صبرها نبع العطاء الوافر الذي لا ينضب ولا يجف، إنه صبر تئن منه الجبال فصبر الأم على تربية ابنها آية تستحق الشكر والتقدير وتوجب الاحترام والتبجيل.

إنها نعمة بالغة أن منح الله الأم القدرة على تربية طفلها فكان صبر المحب المتجرد من الأنانية متدفق العطاء لا يعرف الضجر أو السخط أو الملل، إنه صبر الرجاء والأمل، صبر كله وفاء، صبر يوهب بسخاء، إنه عطاء بلا منن ولا سخط، إنه عطاء الأم نبع وافر متدفق جارف بلا كل ولا ملل ولا وهن وضعف. بدون الصبر ما رعت أم طفلها وما حنت أم على وليدها، إنها قدرة الله التي خلقت وعلمت وأودعت الصبر في نفس أم البشر.

قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)} سورة الروم.

قال تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)} سورة غافر.

إن عاطفة الأمومة الفياضة نعمة أنعم الله بها على الإنسان، فكانت حصن الأمان ونهر الحب الدافئ الذي يفيض دائمًا بالعطاء والحنان. عاطفة الأمومة هي أسمى العواطف والمشاعر في النفس. فهي حب وتضحية وهي رأفة وعطف وهي تفاني وصبر وهي فداء وعطاء.

قال تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} سورة لقمان.

أخي الإنسان تأمل معي وتخيل بعض من هذه التصورات، لو أن الأنثى رفضت الزواج والحمل هل تتواصل الحياة، لا أقول ذلك دربًا من الخيال بل إنها دعوات حقيقية تنطلق من أفواه المفسدين نسمع عنها في بلاد المدنية والحضارة، تخيل لو أبت الأم تربية طفلها، فما هو مصيره؟ وما هو حال الإنسانية عندها؟ واليوم نرى من هذه الصور في حاضرنا الكثير فبعض الأمهات تخلين عن مهمة تربية أطفالهن للخادمات والمربيات، بحجة عدم التفرغ والعمل.

قال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)} سورة النساء.

حكمة الله وقدرته وهبت المرأة غريزة الأمومة، وعلمه بحاجة من خلق منحت الإنسان معطيات الحياة كاملة دون نقص. فخلقه في أحسن تقويم جسدي ونفسي، هيأ الأم للحمل والولادة والتربية، أودع في الطفل قدرات متطورة نامية تبقيه علي قيد الحياة وتتدرج به نموًا في أطوار عمره، وبالرغم من كل ما أسلفنا من نعم اسبغها الله على الإنسان نجده كافرًا ملحدًا، ينأى ويبتعد عن طريق الهداية ويخالف مهمته وغاية وجوده في الحياة، وينسى أصله، ويقطع كل علاقة تربطه أو تقربه من خالقه وموجده من العدم والمتفضل عليه بالنعم.

قال تعالى {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)} سورة فصلت.

قال تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)} سورة العنكبوت.

قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)} سورة آل عمران.

أليس فيما أسلفنا برهان جهل وظلم الكافر لنفسه، يشعر بالضعف كل حين ولا يستمد القوة من خالقه ويحس بالعجز دومًا ولا يلجأ لربه، ويقر بجهله ولا يستنير بعلوم مبدعه، يظلم نفسه بكفره وهو يعلم ضعفه وعجزه، إنها دعوة لأولي الألباب أصحاب بصائر الحكمة، هل من خالق غير الله له الفضل وصفاته الكمال والقدرة؟ هل من خالق قاهر فوق عباده غيره؟ لو اعتبر الإنسان من لحظات وهنه وضعفه ما طغى ولا تجبر.

كيف يظلم الإنسان نفسه ولديه العقل والفكر والوعي والفهم؟ وهل بغير العقل تكرم الإنسان وتشرف؟ به تأهل لمعرفة بارئه، فلماذا يغفل عن هذه الحقيقة ويعطل عقله؟ في حين لو استعمل الإنسان نور العقل فيما أمر به الله ورد مورد السلامة، وفاز بدار الكرامة، وإن استعمله في أهواء نفسه حجب عنه حق اليقين والنور المبين.

والعقل موطن الإدراك ومحل المعرفة والتمييز وهو الآمر المطاع والمفكر المدبر ومتوهم للأمور، وأداة ضبط وتقويم؛ لكن الغفلة والاستكبار والنسيان داء العقول وسبب الكفر والضلال. العاقل من أعمل العقل في التعرف على الله والتقرب إليه. والعاقل من حاسب النفس وآثر البر والإحسان ونبذ الفسوق والطغيان. العاقل من استفاد من لحظات ضعفه في تهذيب نفسه يوقظ فيها دوافع الخير ويكبح فيها صفات الشر.

العقل مكمن السعادة والشقاء، إنه هبة الله للإنسان، نعمة إذا استعمل فيما ينفع الفرد في دينه ودنياه، ونقمة إذا استعمل فيما يغضب الله، فهو مناط الاختيار بين الهداية والضلال، من رجح ميزان الخير وسلك طريق الفلاح زكى نفسه وفاز، ومن رجح كفة الشر وسلك طريق الفساد فقد دنس النفس وخاب وخسر.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق