تعريف شعر النقائض

26

تعريف شعر النقائض

منذ ظهور الشعر بالعصور القديمة تنوعت أهدافه وأغراضه المرجوة، حيث أن العصر الجاهلي برز فيه شعر الهجاء والوصف والفخر والغزل وغيره،ا وخصوصًا أن نهضة هذا العصر قد ساعدت على نهوض بعض أنواع الفنون وغياب غيرها.

في العصر الأموي برز شعر النقائض الذي بلغ ذروته في ذلك الوقت وكان من أشهر شعرائه الأخطل والفرزدق وجرير.

سنتحدث في هذا المقال عن شعر النقائض وعن مفهومه وأبرز القصائد التي اشتهر بها.

ما هو شعر النقائض؟

تعريف كلمة النقائض في اللغة هو هدم كل ما أبرم من عقد أو بناء حيث تعني جملة نقض البناء أي هدمه.

المناقضة في الشيء تعني المخالفة، أما المناقضة في القول هي أن يتم التكلم بما يتناقض مع المعنى الذي ذكر.

أخيرًا النقيضة في الشعر هي شعر آخر ينقض به، أي يقوم الشاعر بكتابة قصيدة ينقض فيها معاني قصيدة أخرى لشاعر ثاني.

يمكن أن نقوم بتعريف النقيضة في الشعر اصطلاحًا بأنها توجه شاعر لكتابة قصيدة ما لكي يهجو بها شاعر آخر ويسخر منه ومن كل قبيلته، مع الاعتزاز بنفسه وأصله وبالأمجاد والمكانة التي حققتها قبيلته.

يقوم بدوره الشاعر الثاني بإجابة الأول بقصيدة أخرى، وغالبًا ما تكون على وزن القصيدة الأولى وعلى نفس القافية لكي ينقض كل المعاني التي تم ذكرها في القصيدة، وأيضًا يقوم إضافة الفخر والهجاء إلى قصيدته.

أبرز شعراء شعر النقائض

إن أشهر شعراء النقائض هم الأخطل وجرير والفرزدق، حيث ارتقى هذا الفن وبرز بشكل واضح منذ اللحظة التي التقى بها هؤلاء الثلاثة ببعضهم في العصر الأموي.

قاموا سوية بنسج فن النقائض الأموية على أيديهم حيث قام شاعر من عشيرة سليط يدعى غسان جرير بالهجاء فرد عليه جرير بهجاء مرير جدًا فاستغاث بالفرزدق الذي رد عليه بقوله:

كليب لئام الناس قد تعلمونه

 وأنت إذا عدّت كليب لئيمها

 أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير

وقد أعيا كليبًا قديمها

لم يتوانى جرير عن الرد على الشعر الأخير حيث أفحش القول في كل من القبيلة والنساء ونتيجة لذلك غضب الفرزدق أشد الغضب ورد عليه بقوله:

ألا استهزأت مني هنيدة

أن رأت أسيرًا يداني خطوه

حلق الحجل

 قام جرير بالرد عليه مجددا فقال:

 عوجي علينا واربعي

ربة البغل ولا تقتليني

لا يحل لكم قتلي

جرير بن عطية

هو الشاعر جرير بن عطية الخطفي وتعود أصوله لبني يربوع من تميم وكان يكنى بأبي حزرة.

نشأ في اليمامة ودفن فيها وكانت له قدرة كبيرة على نظم الشعر وخصوصًا شعر الهجاء، وعلى الرغم من أن أبويه لم يكونا على قدر كبير من الجاه ولكنه تمكن من المباهاة بهما في الشعر إضافة إلى إلحاق الخزي بغيره من الشعراء.

كان يشتهر بالفحش الكبير في قصائد الهجاء، ولكن على الرغم من ذلك كان عفيفًا بشدة في شعر الغزل ولم يشرب الخمر طيلة حياته.

كثيرًا ما قام جرير بتعيير الأخطل بدينه والفرزدق بقلة دينه، وكان يستهل أغلب قصائده وأشعاره بالمقدمات الطللية.

من أشهر ما قاله جرير بشعر النقائض هو:

 خزي الفرزدق والأخيطل قبله

والبارقي وراكب القصواء

ولأعوري نبهان كأس مرة

ولتيم برزة قد قضيت قضائي

الفرزدق

هو ثاني أشهر شاعر بشعر النقائض واسمه الكامل هو همام بن غالب بن صعصعة وولد سنة 641 في مدينة البصرة.

كان لوالديه نسب كبير وتاريخ عظيم، فوالده هو غالب بن صعصعة الذي قام بشراء 360 بنت بهدف منعهم من الموت والوأد وتفاخر الفرزدق بهذا الأمر حيث قال:

ومنّا الذي منع الوائدات

وأحيا الوئيد فلم توأد

حرص أبوه على تعليمه القرآن والأدب واللغة فحفظ الشعر الجاهلي كله، ونتيجة لذلك أصبح شاعر مجيد له كتابات كثيرة في مختلف الأغراض من مدح وهجاء وغزل وغيرها.

على الرغم من تنوع أغراض الشعر التي كتب فيها إلا أنه برع بشكل خاص في شعر النقائض بالدرجة الأولى.

الأخطل

اسمه هو الغياث بن غوث بن طارقة بن عمرو بن سيحان بن الفدوكس من قبيلة تغلب وهي تتبع الديانة الوثنية وبعدها سربت إليها الديانة النصرانية.

لذلك كان الأخطل شاعر نصراني، ولذلك كثيرًا ما عيره جرير بنصرانيته ولكنه لم يكترث لهذا الأمر، وكثيرًا ما قابل الملوك والخلفاء والصليب على صدره.

كانت أمه تلقبه بصغره بالخنزير الصغير ولذلك قام جرير باستغلال هذا الأمر وقال:

بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه

ألا إنما يبكي من الذل دوبل

أبرز القصائد التي كتبت في شعر النقائض

هناك شعر نقائض شهير جدًا بين الأخطل وجرير حيث قال الأخطل في جرير:

فَإِذا رَأَيتَ مُجاشِعاً قَد أَقبَلَت

فَاِهرُب إِلَيكَ مَخافَةَ الظِرّانِ

 وَإِذا وَرَدتَ الماءَ كانَ لِدارِم

 عَفَواتُهُ وَسُهولَةُ الأَعطانِ

 فَاِخسَأ كُلَيبُ إِلَيكَ إِنَّ مُجاشِعاً

وَأَبا الفَوارِسِ نَهشَلاً أَخَوانِ

قَومٌ إِذا خَطَرت عَلَيكَ فُحولُهُم

جَعَلَتكَ بَينَ كَلاكِلٍ وَجِرانِ

وَإِذا وَضَعتَ أَباكَ في ميزانِهِم

رَجَحوا وَشالَ أَبوكَ في الميزانِ

بدوره قام الشاعر جرير بالرد عليه حيث قال له:

يا ذا العَباءَةِ إِنَّ بِشراً قَد قَضى

أَن لا تَجوزَ حُكومَةُ النَشوانِ

فَدَعوا الحُكومَةَ لَستُمُ مِن أَهلِها

إِنَّ الحُكومَةَ في بَني شَيبانِ

بَكرٌ أَحَقُّ بِأَن يَكونوا مَقنَعاً

أَو أَن يَفوا بِحَقيقَةِ الجيرانِ

قَتَلوا كُلَيبَكُمُ بِلَقحَةِ جارِهِم

يا خُزرَ تَغلِبَ لَستُمُ بِهِجانِ

فيما يلي سنذكر أشهر قصيدتين جاءتا في النقائض بين الشاعر جرير والشاعر الفرزدق حيث قال الفرزدق في البداية ناقضا جرير:

فَما أَنتَ مِن قَيسٍ فَتَنبَحَ دونَها

وَلا مِن تَميمٍ في الرُؤوسِ الأَعاظِمِ

وَإِنَّكَ إِذ تَهجو تَميمَن وَتَرتَشي

 تَبابينَ قَيسٍ أَو سُحوقَ العَمائِمِ

كَمُهريقِ ماءٍ بِالفَلاةِ وَغَرَّهُ

سَرابٌ أَثارَتهُ رِياحُ السَمائِمِ

بَلى وَأَبيكَ الكَلبِ إِنّي لَعالِمٌ

بِهِم فَهُمُ الأَدنَونَ يَومَ التَلاحُمِ

فَقَرِّب إِلى أَشياخِنا إِذ دَعَوتَهُم

 أَباكَ وَدَعدِع بِالجِداءِ التَوائِمِ

فَلَو كُنتَ مِنهُم لَم تَعِب مِدحَتي لَهُم

وَلَكِن حِمارٌ وَشيُهُ بِالقَوائِمِ.

قام جرير بالرد عليه ونقضه في قصيدة أخرى هي:

لَقَد وَلَدَت أُمُّ الفَرَزدَقِ فاجِراً

وَجاءَت بِوَزوازٍ قَصيرِ القَوائِمِ

وَما كانَ جارٌ لِلفَرَزدَقِ مُسلِمٌ

لِيَأمَنَ قِرداً لَيلُهُ غَيرُ نائِمِ

يُوَصِّلُ حَبلَيهِ إِذا جَنَّ لَيلُهُ

لِيَرقى إِلى جاراتِهِ بِالسَلالِمِ