خُلق التواضع

خُلق التواضع
()

خُلق التواضع من الأخلاق الفاضلة الكريمة، والشيم العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغَّب فيها، وتمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً عملياً في حياته، فكان خُلقه التواضع.

إن التواضع سبب للرفعة في الدنيا والآخرة، وهو باعث للعدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع، إن الله يحبّ تواضعَ العبد عند أمرِه امتثالاً، وعند نهيه اجتنابًا، والشّرفُ يُنال بالخضوع لله والتواضعِ مع العباد ولينِ الجانب لهم وتحمل الأذى منهم والصّبر على الأبتلاء ، فقال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)} سورة الإسراء، وقال جلّ وعلا موجهاً خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)} سورة الحجر.

فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم مع علو قدره، ورفعة مكانته السامية أشد الناس تواضعاً، وألينهم جانباً، وكان خُلقه القرأن، وقد أثنى الله على خلقه، قال تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} سورة القلم، وحسبك دليلاً على هذا أن الله سبحانه وتعالي خيَّره بين أن يكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً، فأختار أن يكون نبياً عبداً صلوات الله وسلامه عليه.

وكان صلى الله عليه وسلم يمنع أصحابه من القيام له، وما ذلك إلا لشدة تواضعه فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على عصاً، فقمنا له، قال: “لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظِّم بعضهم بعضاً” وهذا خلاف ما يفعله بعض المتكبرين من حبهم لتعظيم الناس لهم، قال عليه الصلاة والسلام: “من أحب أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار”.

وخُلق التواضع كان سمةً ملازمةً له صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، في جلوسه، وفي ركوبه، وفي أكله، وفي شأنه كله، ففي أكله وجلوسه نجده يقول “إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد”. إن رجلاً أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين يديه فأخذته رعدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هوّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد”.

خُلق التواضع سبب للرفعة في الدنيا والآخرة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ”. والتواضع من أخلاق الأنبياء وشِيَم النبلاء، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم كان رقيقَ القلب رحيمًا خافضَ الجناحِ للمؤمنين ليّن الجانب.

خُلق التواضع سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع

المتواضعُ منكسِر القلب لله، خافضٌ جناحَ الذلّ والرحمة لعباده، لا يرى له عند أحدٍ حقًّا، بل يرى الفضلَ للناس عليه، وهذا خلقٌ إنما يعطيه الله من يحبّه ويقرّبه ويكرمه. قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا فَقَالَ: “وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ” وقال تعالى غن تواضعه صلى الله عليه وسلم {قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} سورة الأحزاب، وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} سورة آل عمران، وقيل في خُلق التواضع والحث عليه تأسياً واقتداء بخلق النبى صلى الله عليه وسلم.

عجباً للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غداً جيفة، وعجباً كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً كل العجب لمن أنكر النشأة الأولى، وعجباً كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء.

صفة الكبرياء طرد بسببها إبليس من جنة الله ورحمته ولعنه الله إلى يوم الدين وأعد له جهنم وبئس المصير، صفة يكرهها الله ورسوله في العبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يدخل الجنة من كان في نفسه ذرة من كبر” وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى “الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار” وقال الحسن البصري: “هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً”.

وقيل عن التواضع: النفس معجونة بالكبر والحرص على الحسد، فمن أراد الله هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة، وإذا أراد الله تعالى به خيراً لطف به في ذلك. فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع، يقول الإمام الشافعي رحمه الله “أرفعُ الناس قدرًا من لا يرى قدرَه، وأكبر النّاس فضلاً من لا يرى فضلَه”، وقيل: من كانت معصيته في شهوة فله التوبة فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فاستغفر فغفر له، وإذا كانت معصيته من كبر، فاخش عليه اللعنة؛ فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن.

إن من اتقى الله تعالى تواضع له، ومن تكبر كان فاقداً لتقواه ضعيفاً في دينه يؤثر دنياه على آخرته. فالمتكبر وضيع وإن رأى نفسه مرتفعاً على الخلق، والمتواضع وإن رؤي ضيعاً فهو رفيع القدر. تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ على صفحات الماء وهو رفيع، ولا تك كالدخان يعلو بنفسـه إلى طبقات الجو وهو وضيـع، ومن استشعر التواضع وعاشه، وذاق حلاوته كره الكبر وبواعثه واعتمر قلبه بالرحمة والمودة واتصفت أخلاقه بلين الجانب واللطف والمعاملة الحسنة والود والمحبة والتعاون، ويسارع في الخيرات ويقرىء الضيف ويعود المريض ويمسح على رأس اليتيم ويتعهده ويتصدق على المحتاج والفقير بلا منة أو تعالي.

الحمدلله الذي تواضع كل شيءٍ لعظمته، الحمدلله الذي استسلم كل شيءٍ لقدرته، الحمدلله الذي ذل كـل شيءٍ لعزته، الحمدلله الذي خضـع كل شيءٍ لملكه، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا ورسولنا وهادينا وقدوتنا وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق