صفحات من التاريخ – الصفحة الخامسة – الجزء الثاني – بطرس باشا غالي

بطرس باشا غالي
()

بطرس باشا غالي

تحدثنا في الجزء الأول عن حادثة دنشواي وسنتحدث في هذا الجزء عن أحد جلادي دنشواي ألا وهو: بطرس باشا غالي.

ولد بطرس باشا غالي فى بلدة بمحافظة بني سويف سنة 1846، وكان والده غالي بك نيروز ناظرًا للدائرة السنية لشقيق الخديوي إسماعيل فى الصعيد، التحق بطرس باشا غالي فى صغره بأحد الكتاتيب كغيره من المصريين حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة ثم التحق بالمدرسة القبطية بالقاهرة، ثم انتقل إلى مدرسة البرنس مصطفى فاضل، وكانت تلك المدرسة تهتم بتدريس اللغات فأتقن الإنجليزية والتركية.

عُين بطرس غالي مدرسًا بالمدرسة القبطية بالقاهرة، لكنه سافر بعد ذلك فى بعثة إلى أوروبا لتلقى تعليمه العالي هناك. عندما عاد بطرس من أوروبا عمل فى الترجمة بالإسكندرية، وعندما قامت الثورة العُرابية فى مصر بقيادة أحمد عرابى كان بطرس باشا غالي من أنصارها ومن المنادين بالتفاوض مع الخديوي، ولذا اختير ضمن وفد المفاوضة للتفاوض مع الخديوي باسم العرابيين.

كان بطرس باشا غالي هو أول من يحصل على رتبة الباشاوية من الأقباط. صعد نجم بطرس غالي سريعًا، ففى عام 1893 تولى نظارة المالية فى بداية عهد الخديوي عباس حلمي الثاني في نظارة رياض باشا التي استمرت حوالي عام، ثم لم يلبث أن أصبح ناظرًا للخارجية، في النظارة الثالثة التى شكلها مصطفى فهمي باشا الذى كان يعتبر رجل الإنجليز فى مصر، واستمر فى نظارة الخارجية ثلاثة عشر عامًا من 12 نوفمبر 1885 حتى 11 نوفمبر 1908 وهي أطول فترة يشغلها ناظر فى هذا المنصب الكبير.

ومن المآخذ التي تؤخذ عليه وتسجل ضده:

أولًا: توقيع اتفاقية السودان

وقع اتفاقية السودان في 19 يناير عام 1899، بالنيابة عن الحكومة المصرية باعتباره وزير خارجيتها واللورد كرومر بالنيابة عن الحكومة الإنجليزية، وبموجب تلك الاتفاقية أصبح لإنجلترا رسميًا حق الاشتراك فى إدارة شؤون الحكم بالسودان، ورفع العلم الإنجليزي إلى جانب العلم المصري فى أرجائه كافة، وتعيين حاكم عام للسودان بناء على طلب الحكومة البريطانية، وأصبح المصريون غرباء عنه أو خدامًا للإنجليز فيه.

ولم يذع أمر الاتفاقية إلا عقب إمضائها، وكانت الصحف تجهل أمرها، ولم تنشر شيئًا عن مقدماتها، ولم تحصل مفاوضات ما بصددها، وإنما هى إرادة اللورد كرومر أملاها على وزارة مصطفى فهمي، فقبلتها بلا مناقشة، كل ما حصل من المفاوضات بشأنها أن اللورد كرومر سلم بطرس باشا غالي مشروع الاتفاقية كما وضعته وزارة خارجية إنجلترا، فأخبر بطرس باشا غالي الوزراء بالأمر، فقبلوا المشروع دون أن يطلع أكثرهم عليه.

وجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية جعلت لبريطانيا حقًا مشروعًا وأعطتها نفوذًا لم تكن تحلم به، فمن الناحية الفعلية فصل هذا الاتفاق السودان عن مصر، وأصبحت جميع السلطات فى يد حاكم عموم السودان وهو بريطاني، كما أن موافقة الحكومة المصرية عليه تتم فى صورة شكلية، وتشريعات القطر المصري لا تسري على السودان.

غير أن الواقع بالنسبة للاتفاق الثنائي يخالف الجانب الرسمى له كل المخالفة، فقد انفردت بريطانيا وحدها بمهمة وضع الاتفاق، وكان دور مصر شكليًا بحتًا، لم يزد على توقيع الاتفاق حين قدم لها.

ثانيًا: رئاسة بطرس باشا غالى لمحكمة دنشواي

رئاسة بطرس باشا غالي لمحكمة دنشواي من الأمور التى أخذت عليه، وكانت ذريعة لمهاجمته واتهامه بممالأة الإنجليز، وبنظرة متمعنة فى الحادث وتفاصيل المحاكمة تتضح الكثير من الحقائق التى غابت عن دور بطرس باشا غالي فى المحاكمة، أهمها أن دور بطرس غالي كان شكليًا حيث عقدت المحكمة المخصوصة برئاسة بطرس باشا غالي بصفته قائمًا بعمل ناظر الحقانية، فإن القدر وضعه فى رئاسة هذه المحكمة نتيجة لظروف إدارية بحتة وهي غياب ناظر الحقانية آنذاك إبراهيم فؤاد باشا الموكل إليه أساسًا رئاسة المحاكمة بحكم قانون عام 1895، وهذا ما جعل بطرس غالي المسؤول عن المحاكمة، وكان من الممكن أن يلعب نفس الدور أي ناظر يتولى أي نظارة أخرى فى تلك الفترة. أضف إلى ذلك، أن الحكم الصادر هو حكم سياسي أملته السلطة الإنجليزية التى أمرت بإرسال المشانق إلى دنشواي قبل أن يصدر الحكم. ولم يكن دور هيئة الدفاع عن المتهمين نفي التهمة عن المتهمين أو التقليل من عددهم وإنما حاولت تخفيف حدة الاتهام من القتل العمد إلى ضرب أدى إلى الوفاة.

وقال المستر بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية والعضو بالمحكمة المذكورة؛ أن هيئة المحكمة كانت مصممة على إعدام خمسة لولا إصرار بطرس غالي الذي لم يوافق على إعدام أحدهم، وقال إن ضميري غير مرتاح لإعدامه، ولذلك فقد سعى عقب الحادثة فى مفاوضة الحكومة الإنجليزية، ووافقت الحكومة الإنجليزية على العفو الذى أصدره الجناب العالي الخديوي رسميًا يوم عيد جلوسه عام 1907، ظن الوطنيون أن هياجهم وحده هو الذى أرجف الإنجليز فأصدروا أمرهم بالعفو عن المسجونين مع أن الفضل الأكبر فى العفو عنهم يرجع إلى تدخل الخديوي عباس حلمي الثاني ووزيره بطرس باشا غالي كما يستدل على ذلك من الوثائق البريطانية والمصرية التى لم ينشر منها سوى القليل إلى اليوم.

ثالثًا: قرار إعادة العمل بقانون المطبوعات

وفي 25 مارس 1909، أصدر مجلس النظار قرارًا بإعادة العمل بقانون المطبوعات، وكان الهدف منه مصادرة الحريات ومصادرة الصحف الوطنية وإغلاقها خاصة بعد أن أخذت تهاجم الخديوي عباس حلمي الثاني نتيجة لسياسة الوفاق التى اتبعها مع الإنجليز، فضاق الخديوي بهذه الحملات، وكلف بطرس غالي بإعادة إصدار قانون المطبوعات 1881 الصادر فى 26 نوفمبر عام 1881 إبان الثورة العرابية.

واعتبر هذا الإجراء بمثابة لطمة كبيرة وجهت إلى الحركة الوطنية، حيث اعتبره البعض بمثابة وضع القيود على الأقلام وتكميم أفواه الصحافة، وعم الدوائر الوطنية الغضب خاصة الشباب الذى نظم مظاهرات صاخبة، وكانت هذه المظاهرات شيئًا جديداً فى الحياة السياسية المصرية منذ الاحتلال البريطاني.

وقد زاد هذا القانون من سخط الوطنيين على الحكومة، ولذا اعتبر البعض أن بطرس غالي مسؤول مسؤولية تاريخية عما حل بالصحافة الوليدة من كبت لحرياتها ومصادرة للصحف، وبلغ من غضب الوطنيين على هذا القرار أن قام «محمد فريد» زعيم الحزب الوطني بالذهاب إلى الخديوي عباس حلمي فى نفس اليوم الذى صدر فيه ذلك القانون بعريضة احتجاج على ما قامت به نظارة بطرس غالي، وقامت المظاهرات الرافضة لهذا التضييق والكبت لحريتها.

رابعًا: مشروع مد امتياز قناة السويس

في أواخر سنة 1909 وأوائل سنة 1910، شغلت الرأي العام مسألة كبرى، تتصل بحياة البلاد المالية والسياسية، ونعني بها مشروع مد امتياز قناة السويس، والذى حاول به الاستعمار تثبيت أقدامه فى البلاد، وإطالة عمر الاستعمار الاقتصادي والاستراتيجي، وفحوى هذا المشروع أن المستشار المالي البريطاني مستر بول هارفي أخذ يفكر فى وسيلة يسد بها حاجة الحكومة إلى المال، فدخل فى مفاوضة مع شركة قناة السويس، لمد امتيازها أربعين عامًا، تلقاء أربعة ملايين من الجنيهات تدفعها الشركة للحكومة، وجانب من الأرباح من سنة 1921 إلى سنة 1968.

وبذلك ارتبط اسم بطرس غالي بمشكلة مد امتياز قناة السويس، فلقد تحدد للجمعية العمومية يوم 9 فبراير 1910 للاجتماع والنظر فى مشروع مد الامتياز الذي تقدمت به شركة قناة السويس إلى الجمعية العمومية المصرية، فدعا بطرس كلاً من سعيد ورشدي إليه وأطلعهما على المذكرة الموضوعة بشأن القناة، وتضمنت توزيع الأرباح بين الحكومة والشركة مناصفة، وأن تكون المناصفة فى بداية الامتداد التالي لنهاية الامتياز الحالي.

وقد كان بطرس باشا غالي خلال مناقشة المشروع فى الجمعية العمومية من مؤيدي المشروع على الرغم من اعتراض العديد من الشخصيات السياسية المصرية، خاصة قيادات الحزب الوطني بزعامة محمد فريد، وبالتالى ظل هذا المشروع محل تكتم مدة عام كامل حتى استطاع الزعيم الوطني محمد فريد الحصول على نسخة من مشروع القانون، وقام بنشرها فى جريدة اللواء فى أكتوبر 1909، ثم قفى على إثرها ببيان أسرار المشروع وأسبابه، ومبلغ الضرر الذى سيصيب مصر من ورائه، خاصة أن إعطاء الامتياز كان يعنى أن تترك الشركة القناة لمصر سنة 2008.

وبدأت حملة من الحركة الوطنية وعلى رأسها الحزب الوطني فى تعبئة المصريين ضد هذا القانون، وربما يرجع تأييد بطرس باشا غالي للمشروع لحاجة الحكومة المصرية الحصول على أربعة ملايين جنيه على أربعة أقساط متساوية من ديسمبر 1910 إلى ديسمبر عام 1913.

هذا وقد تم قتل بطرس غالي عام 1910م، بيد البطل ابراهيم ناصف الورداني عضو الحزب الوطني الذي سنتكلم عنه لاحقًا.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق