صفحات من التاريخ – الصفحة الثالثة – المجاهد يوسف المسلماني

المجاهد يوسف المسلماني
()

لم يكن من الممكن أن يمر الحديث عن أسد الصحراء عمر المختار المعروف عالميًا دون التطرق إلى هذا البطل المجهول في الأرض المعروف في السماء، المجاهد الايطالى “يوسف المسلماني” الذي كان يعرف بأسم “Carmine Jorio”.

المجاهد يوسف المسلماني

ولد في العام 1882 في مدينة “نابولي” جنوب ايطاليا، في عائلة متعلمة، والده من أغنياء نابولي ووالدته متعلمة متدينة، وله شقيق وشقيقة وشهدت طفولته حزمة من الأحداث المثيرة دفعت كاهن كنيسة بلدته للقول وهو يحدق في عينيه ” كرميني أنت طفل مبارك وسوف يكون لك شأن عظيم، وأنا على ثقة بأن مستقبلك سيكون حافلاً بالانحياز للحق” ما يدعو للدهشة والعجب أن الطفل امتنع بعد ذلك عن الذهاب إلى قداس الأحد رغم إلحاح والدته، وكان يتجنب الدخول في مناوشات أقرانه وصراعاتهم الصغيرة. وكان محبا للحرية والسهر والانطلاق.

التحق “كرمينى” بعد أن أجبر على ترك الدراسة بالجيش الإيطالى وتخصص فى صيانة وإصلاح الأسلحة الخفيفة، وأصبح عريفًا في الجيش في 15/10/1911، وفردًا فى قوة بحرية مكونة من 1500 ضابطًا وفردًا على متن السفينة الحربية “سان ماركو”، مصحوبة ب 3 مدمرات وجهت لاحتلال مدينة درنة بشرق ليبيا، وبعد 10 أيام من ضرب المدينة بالمدفعية وإنزال فاشل، تم القضاء على حامية المدينة وقوامها 3500 جندى عربى وتركي، واحتل الايطاليون حامية المدينة، وأعلن الكونت ثرومبي Trombi كحاكم عليها، وتم تحصين الحامية ودعمها ب 1500 جندى وكتيبتين وأصبح “كرمينى” من جنود الحامية الايطالية لدرنة، وتم تكليفه بقيادة عدة كتائب للسيطرة على الجبل الاخضر وهو يحمل في قلبه الكراهية والحقد والانتقام من الليبيين ويعتبرهم يسدون الطريق امام مستقبل إيطاليا.

وكبيئة جديدة عليه كان يدفعه الفضول للاستطلاع وحرص وهو ينسج علاقاته مع الاهالى على تعلم وفهم اللغة العربية والتى نجح فى الحصول على كم وافر من مفرداتها مكنته من التحادث بها بلكنة جعلت السامعين يساعدونه ويشجعونه على تعلمها وسرعان ما أبدى رغبته فى تعلم القرآن الكريم.

دخلت حاميته فى قتال مع المجاهدين الليبين حول درنة وقرب “مرطوبة” بالعام 1915، وكان هو من بينها، يتابع المعركة من موقعه الخلفي، وأمام وحشية جيشة ضد أهل البلاد بدأت تراوده التساؤلات حول مفهوم الضحية والجلاد والصراع اللامتكافىء وأسبابه؟!! لتكون هذه المعركة الخط الفاصل لمخططه وماسيقدم عليه لاحقًا!!

ففي عام 1916، أقدم “كرمينى” على خطوة جريئة، فقد هرب من الحامية التى يتبعها بدرنة، وسلم نفسه طواعية للمجاهدين بالجبل الأخضر، وأعلن انحيازه بالكامل للجانب الآخر ضد بنى وطنه، الطليان. (وفى رواية أخرى يقال أنه دخل فى جدال مع الجنود بسبب وحشيتهم مع السكان فحكم عليه بالسجن فى مدينة “توكرة”..وهي تبعد 70كم عن بنغازى. وفي إحدى الليالى استطاع الهرب ولكن قبضت عليه إحدى القوافل البدوية بتلك المنطقة وأخذته معها إلى مدينة الابيار ثم تركته بمدينة إجدابيا والتى كانت مقر الحركة السنوسية وقتها، ومنح الحماية).

عودةً إلى الرواية الأولى فبعد أن سلم نفسه للمجاهدين بالجبل الأخضر تم اخذه إلى المجاهد “الفضيل ابو عمر” أحد رفاق الشيخ عمر المختار، حيث أعلن إسلامه، واطلق عليه اسم “يوسف المسلماني Yousef El Musulmani” وعندما علم عمر المختار بذلك، طلب من الفضيل بوعمر ان يستقبل كارميني بكل احترام وتقدير.

ومنذ ذلك الوقت أصبح يوسف المسلماني مقاتلًا مع المجاهدين وعونًا كبيرًا لهم كونه خبير باصلاح الأسلحة الخفيفة وأصول التكتيك الإيطالي بالحرب، وحضر معهم العديد من المعارك مثل معركة مرسى البريقة وبير بلال وسلوق، وعرق الجلب، وعكرمة.

كما أصبح كارميني المستشار الخاص لعمر المختار، وكان يقوم بتصنيع المتفجرات للمجاهدين. وقام بتعليم مجموعة من المجاهدين طرق صيانة السلاح، وتدريبهم على القنص حتى يتفرغ للمعارك، وكان يكلف بمهام تتطلب التنقل من مكان لمكان وأمام مهارته وشجاعته منحه عمر المختار الترقية إلى رتبة ملازم.

تزوج المجاهدة تبرة موسى المجبري من جالو (توفيت عام 1972م عن عمر 70 عامًا)، فأنجبت له محمد عام 1927م (توفي عام 1993 عن عمر 66 عامًا) ..وعائشة عام 1928م (توفيت وهي صغيرة).

وبعد 12 عاماً قضاها في الجهاد انتهت قصة البطل بسبب خيانة بعض الواشين والخونة المتعاونين مع الطليان فتم أسره قرب “جالو” عام 1928م، وتم عمل محاكمة سريعة له أتهم فيها بالخيانة العظمى وحكم عليه بالإعدام، وقد عرض عليه وقتها أن يخفف عنه الحكم مقابل أن يرتد عن دينه ويخبرهم عن أماكن المجاهدين فرفض ذلك، وطلب كتابة وصيته لأخيه أكد له فيها أنه مسلم وأنه يرغب أن يبقى أهل بيته بليبيا.

وحسب السجلات والروايات أنه كان مرفوع الرأس صلى ركعتين وقرأ آيات من القرآن الكريم ونطق الشهادتين. ونفذ فيه حكم الإعدام رميًا بالرصاص من الخلف فى سوق ميدان جالو، ودفن بجالو.

قصة كارمينى أو “يوسف المسلمانى” تناولها العديد من الأشخاص المحسوبين على النظام الفاشستي بكتاباتهم منهم: دانتي ماريا تونيتي Dante Maria Tuninetti، سكرتير الحزب الفاشى ببرقة، وبالتسعينات أيضًا لبعض الشخصيات العسكرية مثل سلفاتوري بونو Salvatore Bono، بروفسور التاريخ الاسيوافريقي بجامعة بيروجيا Perugia بايطاليا، حيث كتب بحثًا عن الجندي الذى تحول إلى مقاتل مع عمر المختار.

ظلت الكثير من تفاصيل قصته طي الكتمان في إيطاليا حتى تم مؤخرًا كشف النقاب عنها بمقال للكاتب الصحفي الشهير جيان انطونيو ستيلا وهو واحد من الأسماء الكبرى في الصحافة الإيطالية الذي خصص صفحة كاملة على صحيفة “كورييري ديلا سيرا” المرموقة والأكثر انتشارًا في إيطاليا حتى تشتهر قصته وتصبح مادة دسمة لكتاب إيطاليا وتم تأليف كتابين عن هذا المجاهد كتاب (يوسف المسلماني) إعداد فتحي الساحلي وكتاب (البطل يوسف المسلماني) باللغة الإيطالية تاليف جان انتونيو ستيلا وترجمه للعربية عبدالله المرتضي بالاضافة لفيلم عن قصة حياته.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق