موسى بن أبي الغسان الغساني – صفحات من التاريخ – الصفحة الثانية عشرة – الجزء الثاني

موسى بن أبي الغسان
()

موسى بن أبي الغسان الغساني

أردت أن أكتب الكثير عن هذا الفارس، وأن لا أتوقف عن الكتابة عنه، ولكنني لم أجد في قاموسي كلمات أصف فيها هذا البطل، الذي اقشعر له بدني، وحبس الدمع في عيني، وجمد الدم في عروقي، وتمنيت لو كنت أحد فرسانه. ربما لأنني تذكرت أحبة لي ساروا على نفس النهج، ولم أجد أبلغ من كلمات أحمد رائف في كتابه “وتذكروا من الأندلس الإبادة” لتغنيني عن كل الكتابة عنه، وتجعلني أنحني إجلالًا لمن أغنانني عن الكلام، وأن أقرأ الفاتحة لروح البطل الشهيد موسى بن أبي الغسان.
“بقلم أحمد رائف من كتاب وتذكروا من الأندلس الإبادة”

إقرأ الجزء الأول عن موسى بن أبي الغسان من خلال هذا الرابط.

خرج موسى بن أبي الغسان من اجتماع الملك بقصر الحمراء حزيناً مهموماً، وأسرع إليه غلامه وقد أمسك بلجام بغلته، وقد وضع تحت سرجها غطاء من الصوف ليحميها من شر البرد، في تلك الليلة العجيبة التي بدأ بها العام.

وطلب موسى من غلامه أن يذهب إلى البيت، وسوف يلحق به بعد قليل، ورضخ الغلام لطلب سيده وهو يتعجب من أمره، كيف يفضل السير في هذا البرد القارس، والناس جميعاً تسارع بالإختفاء في المنازل والبيوت.

وأخذ موسى طريقه مغادراً وهو يرد تحية الحرس الذين انتشروا في الساحة وحول البوابات، فالكل يعرفه ويحبه، فقد كان القائد المظفر حتى تلك الليلة التي تم فيها التوقيع على المعاهدة، وكان من طلبات الملك فرناندو أن يعزل موسى بن أبي الغسان عن قيادة الجند، واستجاب أبو عبدالله الصغير.

وكان الجيش القشتالي قد لقى العنت والإرهاق من هجمات موسى بن أبي الغسان المباغتة، في ليال لا يتوقعونه فيها، فيخرج إليهم في كتيبته، فينال منهم ثم يعود وتغلق البوابات، ثم يفكر في هجمة أخرى قريبة ظل يخطط ويرتب لها حتى تحدث.

وكان يحرص على نقل الجرحى من جنده إلى المدينة، ويظل يزورهم في بيوتهم حتى يشفوا، أو يكون على رأس الجنازة إن رزق واحد منهم الشهادة، ولا يزال يتفقد أبنائهم وبناتهم ويسأل عن أحوالهم، ويعطيهم من حر ماله، أو يتوسط لدى الملك فيقدم لهم من المساعدة مالًا يقدر عليه هو.

كان موسى بن أبي الغسان أحب الناس إلى قلوب أهل غرناطة، يعرفه الصغير والكبير ويوقرونه ويحسبون له كل حساب، وكان هذا يثير حفيظة الملك أبي عبدالله الصغير وغيرته. ولم يكن يقدر على الإستغناء عنه عندما كان يرفع لواء قتال القشتاليين، فموسى هو القائد المظفر، وهو أدرى الناس بقتال الليل، وقد أتقن تدريب جنده على هذا، أما بعد معاهدة التسليم فلم تعد له فائدة، بل قد يضر وجوده بالتأكيد، فهو الوحيد الذي رفض المعاهدة، وعندما سألوه عن البديل لها قال لهم: الموت الشريف والشهادة في سبيل الله.

وكان الملك فرناندو يعرف طبيعة موسى بن أبي الغسان، وقد أرسل إليه رسلاً كثيرة يغريه بالمال والثروة، ثم عرض عليه ملك غرناطة، وأن يساعده في خلع أبي عبدالله الصغير، ولكن الرجل أبى ورفض كل هذا، ولم يقبل حتى مناقشته. واستمر يذيق الجيش القشتالي الأهوال، ويلحق بهم الخسائر طيلة العام الذي سبق توقيع المعاهدة.

كان يغادر القصر وأفكاره تعذبه، فهو قائد جيش لم يهزم، وفرض عليه التسليم وتحطيم السيف أمام القوة الباطشة، لم يسمحوا له بشرف الجهاد مع جيش قادر عليه. وهانت عليهم تسليم بلادهم، وضاع معنى الدين في قلوبهم، وهو فرد لا يملك إلا نفسه وسيفه ودرعه وحصانه.

وفي الجانب الآخر من المدينة خارج الأسوار عند نهر “شنيل” يقف القوة النصرانية ويعلو معسكرهم صليب “شانت يعقوب”، وما عجزوا عن أخذه بالسيف والقتال سوف يأخذونه مع الصباح، ودفعوا في سبيل هذا كلاماً قل أو كثر، قالوه أو كتبوه، وأعلنوا بعضه وأخفوا البعض الآخر، قد أنهزم المسلمون دون قتال، وهم يحلمون بسراب كاذب وبعهد من الرخاء، سوف يبدأ بعد تسليم غرناطة، آخر معاقل المسلمين في بلاد الأندلس.

لم يدر لماذا آثر السير على قدميه في هذا الصقيع عبر طرقات المدينة، وكأنما أراد أن يعاينها وهي شريفة نظيفة لم يجللها عار الإستسلام، أو أراد أن يتزود منها نظرة وداع قبل صباح قادم بعد دورة ليل ليس للشرفاء فيه مكان.
ولم تكن لديه خطة أو فكرة مبينة غير عزم قاطع أنه لن يشهد التسليم.

هل يأخذ طريق “مالقا” في هذا الليل حيث السفن تعبر به إلى بلاد المغرب، ومن هناك يستنفر المسلمين؟ لقد صارت “مالقا” وكل بلاد الأندلس تحت يد النصارى، وسراياهم تملأ الطريق، وهم قد أكثروا من إرسال السفارات إلى كل بلاد المسلمين يستنجدون بإخوانهم بلا فائدة، فالكل في شغل شاغل بحربه مع إخوانه من جيرانه، وليس لديهم من يفكر في هذه الأرض السليبة، التي كانت تتبدد مع قطرات الليل المتساقط عبر الكون، مؤذنة بصباح مر عصيب.

لم يكن موسى يفكر إلى أين يذهب على وجه التحديد، فقدماه تعرفان الطريق إلى منزله حق المعرفة، ولكن هل هذه هي وجهته؟ ربما، فهو لا يعرف.

كان نهر “حدره” يخترق المدينة من الشرق، عند سفح الهضبة التي يقبع بها قصر الحمراء، ثم يتصل بنهر “شنيل” عند القنطرة التي بناها المسلمون الأوائل، ومن ثم ثخترق المدينة في عظمة وجلال، يتبددان في ذهن موسى الحزين المغرق في الوحشة والكآبة.

ووقف فوق القنطرة ودقق النظر، ليبصر جانباً من الأسوار التي تقع على مقربة منه، ومن بين الظلام إستطاع أن يبصر البرج القريب، ولم يكن به أحد من الحرس، فالبرد شديد، ولا جدوى من حراسة مدينة سوف يسلمها أهلها إلى الأعداء عند طلوع النهار. هز الرجل رأسه في أسف، وعاود السير قافلاً، ووجهته ربض “البيازين” حيث يقيم البواسل من المجاهدين.

صار موسى بن أبي الغسان يضرب في الليل من جنوب المدينة الغربي إلى ناحية الشمال حيث قرر أن يذهب، والبرد يجمد الأطراف، والوحشة تملأ النفس. وتجاوز قنطرة “الدباغين” مسرعاً، فالليل لا يرحم، وهو يأخذ طريقه إلى الأبد وبلا عودة، وكأن الرجل في سباق معه، ولو استطاع لأمسك بخناق الزمن ليمنع الليل من الذهاب.

اجتاز موسى بن أبي الغسان قنطرة “العادل” وقنطرة “الفرازين”، مرة يسير على شرق النهر، وأخرى من الناحية الغربية منه، حسبما يعرفه من مخاوف الطريق أو سهولته، وفي سرعة ليبعث الدفء في نفسه، صار يخترق الأزقة الضيقة، وهو يختصر الطرق إلى ربض “البيازين”، ومر على جامع “التوابين”، ثم سار بحذاء القصبة القديمة، حتى صار في قلب المكان الذي يريد، فها هو جامع “البيازين”، وهذه هي الساحة الكبرى، وكان يقطع الصمت نباح يأتي من بعيد، لكلاب لا يراها أحد.

كان يريد أن يجمع جنده من البيوت، ويخرج بهم إلى الأسوار ويمنع تسليم المدينة في الصباح، وامتلأت نفسه حماسة وأملاً، وطرق باب الرئيس عبدالله الشيخ، وكان من خيرة معاونيه، ومن أحسن جند غرناطة المقاتلين. وفتح الباب في لهفة وسرعة، ورأى الصبية والفتيات، وفي أيديهم القناديل كأنما ينتظرون من يطرق عليهم. ثم علم أن الرئيس عبدالله قد خرج ليأتي بالطبيب لطفلة مريضة له قد اشتدت بها العلة.

عاود موسى مرة ثانية إلى منزل الرئيس، وما أن إقترب من البيت حتى سمع أصوات العويل والنواح، وسرعان ما عرف أن الصبية ماتت، ولم يستطع الطبيب لها شيئاً.
وبعد أن قدم العزاء للرئيس عبدالله، قال له:

– كلنا سنموت، ولكن ينبغي علينا أن نموت دفاعاً عن غرناطة.

– ما الذي يقصده سيدي القائد؟

– نجمع المجاهدين من حي “البيازين” ونخرج إلى محلة فرناندو فندهمها، إما أن نردهم عن مدينتنا أو نموت شهداء.

وتأمله الرئيس عبدالله قليلاً ثم هز رأسه وأردف:
– قد فات أوان هذا أيها القائد.

– ليس للموت أوان يا عبدالله.
– أتكلم عن رد الأعداء وقتالهم في محلة فرناندو.
– وهل لقتال الإعداء موعد؟

– نعم.

وبدا الحزن في وجه موسى:
– ظننتك ترحب بهذا وتخرج إلى شباب الحي فتجمعهم، ونخرج إلى القشتاليين كما كنا نفعل في الأيام الخوالي.

وارتفعت من آخر الدار موجة من العويل والنواح، في ترجيع أخاذ يبعث على الشجن. وسكت موسى وعبدالله قليلاً حتى ذهبت هذه الموجة، ثم قال الرئيس عبدالله:
– معذرة أيها القائد لو تطاولت عليك في الحديث.

– لا عليك من هذا، ما الذي تريد قوله؟

ونظر إليه عبدالله نظرة وانية عاتبة، وقال له وقد رفع صوته قليلاً:
– أين كنت يوم وقعوا المعاهدة اللعينة.

وقال موسى حزيناً:
– كنت هناك حيث وقعوها، وأنت تعرف موقفي، لقد رفضت التوقيع وحذرت الجميع.

وارتفع صوت الرئيس عبدالله وهو يقول:
– وأين كنت بعد ذلك؟

– لم أكن أصدق أن هذا يكون.

– أنت تطلب محالاً أيها القائد موسى.

– لماذا يا صديقي؟

– تريد جمع المجاهدين، ربما نأتي بواحد أو إثنين أو قل ثلاثة، لن نأتي بأكثر من خمسة.

– وبعدها؟

– وبعدها سوف يؤذن للفجر، ومن ثم ينبلج الصبح.

– ويدخل النصارى غرناطة؟

– هم يستعدون الآن لدخولها أيها القائد.

وصار موسى يهز رأسه كأنه يطرد منها شيئاً:
– لا أظن أن شيئاً من هذا يمكن أن يكون.

– وهناك شئ لا أدري أتعرفه أم لا؟

والتفت إليه موسى مستفسراً:
– وما هو؟

– لقد أحكم رئيس الشرطة قبضته برجاله حول ربض “البيازين”، وجمعوا من البيوت معظم ما بها من سلاح.

وانقلب وجه موسى بن أبي الغسان
– ومتى كان هذا؟

– كأنك لم تسمع به؟

– كلا.

– لقد بدءوا كبستهم على البيوت بعد صلاة الظهر بالأمس، لم يعد هناك أمل.

وتمتم موسى في صوت خافت كأنه يحدث نفسه:
– ربما يكون هناك أمل في موت كريم.
قام موسى يائساً، وقام الرئيس عبدالله ليشيعه لدى الباب، ومن خلفهما ارتفعت موجات العويل والنواح على الصبية الصغيرة التي ماتت في الليل.

كان موسى بن أبي الغسان قد تجاوز الأربعين بسنوات، ولكنه عريض الصدر مفتول العضلات، وسيماً كريماً، شجاعاً أنفاً، سيداً في قومه وعشيرته، يحبه الناس وتغرم به النسوة، وتتعلق الفتيات بهواه، وينظرن إليه خلسة من خلف النوافذ عندما يخرج على جواده وقد غطاه السلاح والحديد في غزوة أو حملة سريعة على جيش العدو.

وكان عفاً يغض بصره عن النساء ولا يفتتن بهن، واكتفى بزوجته وأم أولاده، ولم يقرب غيرها جارية كانت أو حرة، وكانت نسوة النصارى يرسلن إليه رسلهن يتوددن إليه ويطلبن قربه، فلا يجيبهن إلى هذا، بل يلقى بالكتب في نيران المدفأة إن كان الوقت شتاءً, أو في نهر “شنيل” حيث مقامه الأثير في الصيف، ثم يغمز لزوجته بعينه فتضحك، فهي تعرف ماذا في الخطاب، وربما تطلع على ما فيه من كلمات الغزل والهيام فتتنهد وتقول:
– عشنا ورأينا رجلاً تأتيه مكاتيب الحب والغرام.

وكان موسى بن أبي الغسان يقيم الصلاة، حريصاً عليها في الجماعة، يقرأ القرآن كل ليلة، ويختمه مرة كل شهر، وله في الأسبوع يوم يقضيه بين الكتب، فلا يخرج فيه إلى أحد، وعرف الناس عادته فلا يزوره أحد في هذا اليوم، وله يوم يستقبل فيه الأصدقاء وأصحاب الحاجات، الذين يريدون وساطة عند الملك. ويوم ثالث يذهب فيه يزور أهله وأصحابه ومحبيه. وبقية الأيام يقضيها في إستعمال السيف والرمح والفأس وسائر ما عنده من الآت الحرب والقتال. ثم جاء حصار غرناطة فصارت أيامه كلها تدريباً وقتالاً وحراسة.

كان عنده من الأبناء “محمد” في العاشرة، و”الثريا” في السابعة، ثم “ودود” في الرابعة، وهي أحب الخلق إلى قلبه. وكانت أمها تغار من حب أبيها لها، وتنظر إليه عاتبة عندما يعود من الفتال مسرعاً ليتحسس جبينها إن كانت نائمة بالليل، أو يرفعها عالياً إن كانت تلعب بالنهار.

وقد جاء أهل غرناطة يوماً يسألونه أن يخلع الملك، ويجلس على عرش الحمراء فهو أقدر على مقاومة فرناندو وجيوشه، فأبى ورفض وقال:
– نحن أحوج ما نكون إلى الوحدة والتآزر، وليس من مصلحة المسلمين أن ينقسم الناس إلى فريقين.
فلو كان من الناس من هو كامل، لكان موسى بن أبي الغسان.

ومنذ وقعت معاهدة التسليم في نوفمبر من العام الذي إنصرم بالأمس، وهو صامت لا يتكلم، يمكث الساعات الطوال في غرفته وحيداً، ولم يعد يلاعب “ودود” كما تعود وعودها، بل كان يطيل النظر إليها حزيناً ولا ينطق بكلمة واحدة، وكانت زوجته تقدر ما هو في من محنة وألم، فتحاول أن تبعد الأبناء عن مكان أبيهم، وسرعان ما أدركوا طبيعة الكارثة المقبلة، فآثروا الصمت هم أيضاً، ولم يعودوا يلعبون ويضجون كما كانوا من قبل، بل هدءوا وسكنوا، وخيم على القصر حزن عميق.

اجتاز الدرج والردهة المؤدية إلى البهو الكبير بقصره، وكانت القناديل مضاءة، وهمّ بصعود الدرج المؤدي إلى الغرف العليا حيث يقيم هو والأبناء، ولكنه لمح زوجته تقف في الناحية اليمنى صامتة، وقد خلا وجهها من أي تعبير. ووقف موسى للحظة ينظر إليها صامتاً، ولم يلق عليها التحية على غير عادته، ثم ارتعدت جفونه وهو يقول لها، ثم يسرع صاعداً:
– ضعي على كتفيك شيئاً، فالبرد شديد هذه الليلة.

سار في الممر المؤدي إلى غرف الأبناء، ووقف قليلاً أمام غرفة “محمد”، وصار ينصت فلم يسمع شيئاً، ثم تحول إلى غرفة “الثريا” ووقف ببابها، ثم أطال الوقوف بباب الغرفة التي تنام فيها “ودود”، ثم عاود طريقه بسرعة نازلاً، فمر بزوجته وقال لها:
– أيقظي السائس ليعد حصاني، وليضع عليه الحديد والدروع.

وأسرعت زوجته تنفذ ما أمرها به كالمخدرة، بينما أسرع هو إلى غرفة السلاح، ليضع على جسده الدروع وهو يتمتم:
– ليس أمام أحد عذر في الموت الكريم.

لم يلحظ أحد أن محمداً والثريا وودود كانوا مستيقظين، يقف كل منهم خلف الباب في غرفته ينتظرون عودة الأب، وعندما سمعوا وقع خطواته تبتعد، فتح كل منهم الباب وأمسكوا ببعضهم البعض وهم يهبطون درجات الدرج صامتين يبحثون على أبيهم. ومن خلفهم جاءت الجواري وجاء خدم البيت، والكل يبكي في نشيج مكتوم إحتراماً للصمت.
ووقفت زوجته خلفه صامتة في غرفة السلاح تلبي نداءه، دون أن تنطق بكلمة واحدة.

– الفأس.
فتسرع فتناوله.
– الطبرزين.
فتتحرك كالمسحورة فتأتي به من مكانه وتعطيه له.

وفي لحظات كان الحديد يغطيه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وألقى نظرة خاطفة على زوجته ثم غادر الغرفة بطيئاً، فالحديد يقيد حركته، وأسرعت زوجته تمسك بذراعه كأنما تعاونه في حمل بعضه، وكان كل منهما يفهم الآخر ويعرف ما ينتويه دون أن يتبادلا الحديث.

وعند أول الدرج، فوجئ موسى بأبنائه يقفون ينظرون إليه مشدوهين لا ينطقون، فوقف ينظر إليهم للحظة، ثم تحول عنهم خارجاً وصدره يغلي كالمرجل، وأسرع إليه محمد:
– هل آتي معك يا أبي؟
تمتم موسى بصوت خافت:
– سوف تلحق بي يا بني يوماً ولكن ليس الليلة.

ثم أسرعت إليه “الثريا” و “الودود” وهما تتحسسان الحديد حول ساقيه وساعديه، وهو ينظر إليهما من خلف المغفر، ولم ير أحد تعبير وجهه، ولكنه لمح حزناً نبيلاً صغيراً في عيني “ودود” فأطال النظر إليها، وأسرعت أمهما تسحبهما بعيداً عنه، كأنما تساعده في إجتياز تلك القنطرة الممتدة بين الحياة والموت.

وعندما اقترب من باب الخروج حيث أعد له جواده، ارتفع نحيب الخدم والجواري وصرخت زوجته:
– موسى.
وتوقف واستدار، وأسرعت زوجته إليه وتوقف النحيب والكل ينظر في جلال، ورأى الدمع ينساب من عينيها وهي تنظر إليه صامتة وتمتم لها عندما طال الصمت:
– تعرفين أن المدينة ستسلم للنصارى في الصباح.

وخرج صوتها ضعيفاً متحشرجاً:
– نعم أعرف.

– وتعرفين ما ينبغي علي عمله؟

– نعم أعرف.
ونظر ناحية أبنائه وقال لها:
– دربيهم على السلاح من الغد، ولا تنقطعي عن هذا يوماً واحدًا.
وصارت تهز رأسها طاعة له ودموعها كالسيل:
– سوف أفعل يا موسى، سوف أفعل.

واستدار موسى خارجاً وحاول محمد والثريا وودود اللحاق به فمنعتهم أمهم، وانطلق صوت ودود:
– أبي.
ولم يرد عليها ولم يلتفت، فقالت لأمها:
– لماذا لم يرد علي؟
وقالت أمها وقلبها يتمزق:
– لم يسمعك يا حبيبتي.

وصاروا ينظرون إليه والخدم يساعدونه على إمتطاء الجواد، ثم يختفي في ظلمة الليل والبرد كزائر من عالم غريب قد آن أوان عودته إلي عالمه.
وارتفع عويل الخدم والعبيد، فقد كانوا يعرفون أن سيد القصر قد خرج ولن يعود مرة أخرى إليه، وأن هذا هو آخر عهدهم به.

اجتاز موسى بن أبي الغسان دروب غرناطة وطرقاتها وهو يذكر الله تعالى في نفسه، ولم يكن يسمع في جوف الصمت غير صوت حوافر الجواد الذي يسير مختالاً براكبه فوق طرقات غرناطة، التي عبّدها المسلمون بالحجارة السوداء. واختار موسى طريقاً مختصراً يذهب به إلى القنطرة فوق نهر “شنيل” حيث فرجة في السور يستطيع الخروج منها إلى معسكر القشتاليين فهو الهدف الذي يريد.

وعندما وجد نفسه يسير بمحاذاة النهر، أيقن أنه في الطريق الصحيح، ووجد لسانه يلهج بالذكر والحمد، ويرتفع صوته قليلاً بالتكبير والتهليل. وكان يسير مطمئن النفس هادئ القلب، لا يعرف القلق أو الخوف، بل استراحت نفسه، وهدأت خواطره عندما استقر قراره وعرف ما يريد.

وبدت نيران طلائع جيش فرناندو تبدو من بعيد، وتحسس موسى أسلحته التي وضعت بعناية فوق حصانه بحيث يستطيع الوصول إليها واحداً بعد الآخر، وكان خبيراً بالقتال مشهوداً له، وكأنه وحصانه على تفاهم فيما يريدان، فقد أسرعت حوافر الفرس عندما رأى النيران، ثم صارت عدواً، وما هي إلا لحظات أو تكاد حتى كان يسابق الريح، رغم ما يحمله وينوء به من حديد.

فاجأ موسى هذه الطليعة التي امتطت الخيل على عجل لتواجه هذا المارد الذي انشق عنه ظلام الليل. وكان رمحه مشهراً فخلع قائدهم خلعاً من فوق جواده، وذهب إلى غايته، ثم عاد فخلع الآخر، ودب الذعر في قلوب الفرسان، ولم يتبينوا من يقاتلون، وانطلق النفير يدوي في الليل، وجاء فرسان قشتالة من كل حدب ينسلون على صوت النفير.

ولم يشعر موسى بسعادة وغبطة مثل ما شعر به في هذه اللحظات، فالفرسان يتساقطون من حوله، وهو لم يستخدم شيئاً غير رمح ينبعث من سنانه الرعب والموت كشهاب الليل. لم يشعر موسى بالتعب، بل كان يؤدي دوره في سلاسة وتناسق كأنه يقوم بالتدريب على دمى قد أعدت لهذا الغرض.

كان يحصي من قتلهم فلما تجاوز العدد عشرة، انتابته نوبة من السرور العارم فلم يعد يهتم بالعدد بعد ذلك، وشعر أنه يكبد العدو ثمناً غالياً له، ومن يدري لعله يستطيع أن ينفذ إلى محلة الملك فرناندو، فيحي بقتله ما مات في وجدان المسلمين. ولكن الفرسان تكاثروا عليه من كل ناحية، وجسده كله مغطى بالدروع، فليست هناك وسيلة للوصول إليه، وانكسر الرمح، وجاء دور الفأس والطبرزين فالسيف، والفرسان يتساقطون من حوله، وغيرهم يأتي حتى صار المكان كأنه ساحة لقتال حقيقي، وليس فارساً واحداً يواجه كل هؤلاء الفرسان مجتمعين.

وبدأ التعب يدب في حصانه الذي أدى أكثر من واجبه، وانتبه موسى فوجد حصانه يتراجع أمام هجمة القشتاليين الشرسة، فقد استيقظ المعسكر كله، ولم يعلم أحد عند محلة الملك بحقيقة ما يحدث. وسرت شائعة أن المسلمين قادمون.

وحاول موسى بن أبي الغسان أن يعفى جواده من هذا العناء الذي لم يعرفه من قبل، وأراد الترجل، فهو أقدر على القتال وحده في هذه اللحظة، وقذف بنفسه من فوق الحصان، ولم ينتبه أن قوائمه الخلفية قد غاصتا في الوحل الذي انتشر على حافة نهر “شنيل”. ورأى لمعة الماء قبل أن يغوص فيه. ورأى السماء تنشق والملائكة يمدون أيديهم ويبتسمون له. وسمع التراتيل العذبة تأتيه من كل ناحية، ثم جذبته الدروع الثقيلة إلى القاع، أما روحه فقد تلقفتها الملائكة في عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم.

جاء الكونت فرناندو دي ثافرا أمين الملك في حرسه ليستجلي الأمر، ووجد الجند يجمعون الجرحى ويحصون القتلى، وتعجب الرجل عندما علم أن كل هذا من فعل فارس واحد، وترجل من فوق حصانه والحرس حوله، وقادوا إليه جواد موسى ففحصه ورأى شارته، وهز رأسه في توقير واحترام، وسأله واحد:
– هل تعرف صاحبه يا سيدي الكونت؟
وهز الكونت رأسه موافقاً وهو يمد يده بجلال على رأس الجواد الذي يسيل منه العرق:
– نعم أعرفه، إنه موسى بن أبي الغسان، آخر فرسان غرناطة.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق