موسى بن أبي الغسان الغساني – صفحات من التاريخ – الصفحة الثانية عشرة – الجزء الأول

موسى بن أبي الغسان
()

موسى بن أبي الغسان

ولد موسى بن أبي الغسان في غرناطة، وعاش فيها طوال حياته، وتعود أصوله إلى أحد الأسر العربية العريقة في غرناطة ويعود إلى قبيلة آل غسان العربية اليمانية العريقة، وهي أحد الأسر التي كانت تحكم بلاد الشام قبل دخول الإسلام، وكانت لأسرة موسى علاقة وثيقة بقصر الملك وكانت تعتبر من الأسر الغنية ذات الجاه والسلطة.

نشأ موسى بن أبي الغسان على الفروسية وحب الجهاد، ولقد نشأ نشأة دينية وعرف بالكرم والأخلاق، وتميز بحبه للفروسية ومهارته في المبارزة، وكان لموسى مكانة اجتماعية كبيرة في غرناطة حيث كان رئيسًا لعشيرته، وقائدًا لفرسان غرناطة، كان أحد رجال بلاط الملك أبي عبد الله الصغير.

وكان موسى بن أبي الغسان صريحًا عنيفًا لا يهادن، ولا يلين في الحق، ونموذجًا للفتى الندب، المؤمن بالمثل والقيم الإسلامية العليا. وكان ذا شخصية تحمل ذهنًا لا ينقصه المنطق، ونفسًا تُكبر الأخلاق والفضائل، وذا صوت جهوري مثير لم يكن يعلوه صوت في جرأته وتقحمه وطليعيته..

كان موسى بن أبي الغسان من أولئك الرجال الذين يحملون هموم الأمة، ويشعرون بوقر المسئولية نحوها، ونحو مصيرها. ولم تغره مباهج الدنيا، ومظاهر اللهو والمجون والترف واللين والتنعم المنتشرة في مجتمعه الغرناطي، وأبى إلا أن يكون الوفي لمبادئه النبيلة التي شبّ عليها، ملتزمًا العمل بها وتجسيدها بصورة عيانية واقعية لا تقبل الشك والجدل، وساعيًا إلى إقرارها وتأكيدها وإشاعتها بين أبناء مجتمعه، وباذلًا نفسه ودمه فداءً لها.

وقد أتاح له قربه من الملك الكثير من المشاركات في صناعة الأحداث والقرارات بشكل إيجابي في غرناطة، كما كان لديه القدرة في التصدي لأي من الدعاوي الاستسلامية، وعلى الرغم من استكانة الملك تجاه ملك إسبانيا، إلا أنه كقائد لفرسان غرناطة لم يستسلم وقام بالكثير من الحملات ضد الأعداء.

في مقدمة كتابه «دولة الإسلام في الأندلس» يذكر الدكتور محمد عبد الله عنان أن المصادر العربية التي وصلتنا حول المراحل الأخيرة من تاريخ مملكة غرناطة قليلة، ويقف أغلبها عند أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، أما خلال القرن الخامس عشر الذي يُعتبر عصر السقوط النهائي فلم تتوافر فيه تقريبًا مصادر إسلامية يمكن الاعتماد عليها، وهكذا أصبح من الضروري الاعتماد على المصادر الإسبانية في التأريخ لهذه المرحلة.

ويقول عنان إن هذه المصادر: «توفر فيها ما يتوفر في الكتابات الغربية من الاعتدال والروية وروح الإنصاف» وبدا في مواطن كثيرة فيها تقدير لروح الكفاح و«عبقرية الأمة المغلوبة وحضارتها».

قصة «الفارس المسلم» موسى بن أبي الغسان هي إحدى القصص التي ذكرت في المصادر الإسبانية ولم يرد ذكر اسمه في المصادر العربية المتوافرة حاليًا، لكن المصدر الإسباني لها يقول إنها مأخوذة عن مصدر عربي لم يذكره، ويقول عنان في كتابه إنه نقل قصة «الفارس المسلم» ليس فقط لأنها محقّقة تاريخيًا، لكن أيضًا لأنها تقدم صورة رائعة لدفاع المسلمين عن دينهم ووطنهم حتى اللحظة الأخيرة.

في عام 1492 كانت غرناطة تمضي نحو قدر محتوم بدا لأهلها نذيره منذ زمن بعيد، ولم يكن هناك سبيل لدفعه، فأغلقت المدينة أبوابها واحتمت بأسوارها العالية من جيش فرناندو المحاصِر الذي كان قد عزم على ألا يمضي دون السيطرة على غرناطة وإنهاء الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

ورغم ما بدا لأهلها من قوة أعدائهم وانتصارهم الوشيك عليهم، فقد رفضوا التسليم واستبسلوا في الدفاع عنها لشهور طويلة قضوها في حصار، وكانوا مع ذلك يخرجون إلى قتال الجيش المحاصِر مراتٍ عديدة، يفسدون خططه ويُضعفون قوته.

وحول هذه الحرب يستشهد الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفنج في كتابه «أخبار سقوط غرناطة» بكلام السفير الفرنسي حينها الذي شهِد ما فعله المسلمون دفاعًا عن مدينتهم فقال: «إن هذه الحرب في الحقيقة هي من ذكريات التاريخ التي لا تُنسى، جيش قُتل فرسانه أو سِيقوا إلى الأسر مع ذلك ما زال هذا الجيش يدافع عن كل مدينة وحصن.. كلا بل كل صخرة بحد ذاتها وكأنها مسكونة بروح شهدائه فمن أي موطئ قدم أو مكان لإطلاق سهم أو قذيفة».

ويضيف: «كانوا يضحون من أجل بلادهم الحبيبة، والآن وقد عُزلت عاصمتهم عن كل المساعدات الإسلامية وتجمّعت كل أمم أوروبا أمام بابها، لم ييأس المسلمون من القتال وكأنهم ينتظرون معجزة من الله».

تحكي الكتابات الإسبانية عن بطولة وشجاعة وإقدام أبداه الفرسان المسلمون الأواخر. وعلى رأسهم موسى بن أبي الغسان الفارس ذو الأصل الرفيع الذي ينتمي لإحدى الأسر الأندلسية العريقة القريبة من الحكم.

كان موسى ناقمًا على الملك أبي عبد الله الصغير بسبب استكانته في الدفاع عن المدينة ومهادنته لملك قشتالة، وكان يعمل على تقوية الفرسان الغرناطيين ويقود بين الحين والحين السرايا التي تهاجم العدو وتفاجئ حصونه القريبة، وحين طلب فرناندو تسليم المدينة كان موسى بن أبي الغسان من أشد المعارضين للتسليم قائلًا:

ليعلم ملك النصارى أن العربي قد وُلد للجواد والرمح، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها وليكسبها غالية. أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة في المكان الذي أموت فيه مدافعًا عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين.

كان موسى بن أبي الغسان يرى أن شباب غرناطة كفيلون بدفع الخطر عن المدينة فهم حوالي 20 ألف شاب في أوج قوتهم، وسرعان ما بثّ روح الحماسة في الجنود والناس فتحمسوا للدفاع عنها حتى آخر رمق، وتغلّب رأيه فردّ الملك أبو عبد الله على فرناندو برفض التسليم وردّ فرناندو بحصار المدينة، فوضع الملك حمايتها بين يدي موسى بن أبي الغسان.

أخذ موسى يوزّع الفرسان، كل مجموعة على أحد أبواب المدينة، وكان يهاجم جيش فرناندو بفتح الأبواب كلها في لحظة واحدة لينطلق الفرسان مخترقين الجيش فيوقعون بينهم الجرحى ويعودون مرة أخرى إلى المدينة ويغلقون أبوابها. كانت هجمات ابن أبي الغسان متتالية وعنيفة وقد أرهقت جيش فرناندو حتى أنه أمر بعدم الرد عليها حتى لا ينجرّ الجيش في حروب جانبية تنهك قوته وتشغله عن الهدف الأساسي والهجوم الكبير.

استمر ابن أبي غسان في تزعّم الفرسان المسلمين وكان يقود الجيوش إلى القلاع التي يسيطر عليها القشتاليون وكان الشعب يستقبله لدى عودته منها بكثير من الحماسة، إلى أن أحكم فرناندو الحصار وأتلف الحقول المجاورة فكان موسى يقود المعارك الأخيرة التي علِم المسلمون أنها «عنوان أخير لفروسيتهم وبسالتهم لكنها لم تكن لتغني شيئًا أمام ضغط العدو وتفوقه» كما يقول محمد عبد الله عنان في كتابه، الذي لفت فيه إلى أن فرناندو قد شدّد حصاره على المدينة وقطع كل علاقاتها بالخارج وبدّد أملها الضعيف في وصول مددٍ من إفريقية.

صمدت المدينة شهورًا لكنها مع اقتراب الشتاء وقرار فرناندو وإيزابيل بالاستمرار في الحصار وإحكامه، وعدم الرحيل إلا بعد الاستيلاء على غرناطة، تعالت الأصوات في قصر الحمراء بضرورة تسليم المدينة؛ لأن المؤن لن تكفي وكان اليأس قد دبّ في نفوس الجنود المحاصَرين، لكن ابن أبي غسان بثّ روح الحماسة من جديد ورفض التسليم.

فحين اقترب جيش فرناندو أكثر وهاجم أسوار المدينة خرج إليه مع الجنود وقاتلوهم ببسالة، لكن ضعف المشاة كان باديًا وسرعان ما تمزقوا ولم يفلح موسى في جمع شملهم، فارتدّوا إلى المدينة وأغلقوا أبوابها في يأس وجزع، وكان الجوع والمرض قد تمكّن من أهلها.

وجاءت اللحظة التي تغلّب فيها الرأي القائل بالتسليم حتى لا يدخل فرناندو المدينة عنوة، ويستبيح الأرض والعِرض والدين، كان الخيار بين التسليم أو الموت، واختار المجتمِعون في قصر الحمراء التسليم، واعترض فقط موسى بن أبي الغسان قائلًا:

إنه لخير لي أن أُحصى مع الذين ماتوا دفاعًا عن غرناطة من أن أُحصى مع الذين شهِدوا تسليمها، إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها وتدنيس مساجدنا وتخريب بيوتنا، وهذا ما سوف تراه على الأقل النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أراه، اتركوا العويل للنساء والأطفال فنحن لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع ولكن لتقطر الدماء وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعا عنها..

وكان لا يزال يرى أن الموارد لم تنضب وأن الموت هو الخيار الأفضل. لكنه لم يجد من يستجيب هذه المرة، فاليأس كان قد تمكّن من القلوب، ووافق أبو عبد الله على التسليم وأرسل وزيره أبو القاسم عبد الملك للتفاوض على شروطه في أواخر عام 1491.

وقد فاوض أبو عبد الله ووزراؤه ضمن معاهدة التسليم على أملاكه وأملاك كبار غرناطة وحاولوا تحقيق مغانم خاصة بهم.

واستمرت المفاوضات وحين استقر الملوك الكاثوليك مع الوزير أبي القاسم على نصّها أرسلوا إلى قصر الحمراء لتوقيعها، وتقول الرواية الإسبانية التي يصفها محمد عبد الله عنان بأنه «تصطبغ بلون الأسطورة» إن المجلس الذي ناقشها شهِد خلافًا أيضًا بين من يرى بالتسليم ومن لا يزال يرى الاستمرار في الدفاع، لم يملك بعضهم نفسه فأخذ في البكاء وهو يوقّع المعاهدة التي تحكم على أمته بالفناء، واعترض موسى بن أبي الغسان مؤكدًا أن الإسبان لن يفوا بهذه الالتزامات، وأن مصائب كثيرة في انتظار الناس في حال التسليم.

وتقول الروايات إن الأمير الخائر الضعيف أبو عبد الله صاح: الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا راد لقضاء الله تالله لقد كتب عليّ أن أكون شقيًا وأن يذهب الملك على يدي وصاحت الجماعة على أثره الله أكبر ولا راد لقضاء الله وكرروا جميعًا أنها إرادة الله ولتكن ولا مفر من قضائه ولا مهرب.

فخرج موسى بن أبي الغسان من قصر الحمراء غاضبًا وتوجّه لداره وامتطى حصانه وخرج متسلّحًا في شوارع غرناطة وغادرها من باب إلبيرة ولم يره أحد بعدها أبدًا.

لكن القس أنطونيو أجابيدا وهو مؤرخ إسباني عاش في ذلك الوقت، كان لديه بقية لحكاية «الفارس المسلم» إذ يقول إن سرية من 20 جنديًّا من الفرسان المسيحيين التقت في مساء ذلك اليوم على ضفة نهر شنيل بفارس مسلم ملثّم، مدجج بالسلاح فطلبوا منه أن يقف فلم يُجبهم وما أن اقترب منهم حتى وثب إلى وسطهم كالأسد الضاري وسدد لأحدهم طعنة نجلاء برمحه وأنتزعه عن سرجه وأهوى به إلى الأرض، فأصبح مثلها في طرفة عين، ثم أنقضَّ على الباقين يثخن فيهم طعنًا، بضربات ثائرة قاتلة، ملأت قلوبهم رعبًا، وكأنه لم يشعر بما أثخنه من جراح، ولبث يبطش بفرسان الأعداء، وما وهن أو قصر فقد أخذ للأمر أخذه وأعد له عدته، حتى أفنى معظمهم.

غير أنه أصيب في النهاية بجرحٍ خطير، ثم سقط جواده من تحته بطعنةٍ أخرى، فهوى إلى الأرض، وعجز عن النهوض بعد أن تكاثرت في جسده الجراح، فحاول من بقي من الفرسان المنهكين ومن هب لنجدتهم، التكالب عليه للإمساك به، فركع على ركبتيه واستل خنجره، وأخذ يناضل عن نفسه. وبقوا متحلقين حوله في تردد ولم يجرؤوا على الإمساك به.. فلما رأى موسى أن قواه قد نضبت، وحيث أن ﻧﻔﺴﻪ ﺍﻷﺑﻴﺔ ﻻ ﺗﻄﻴﻖ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ ﻓﻲ الأﺳﺮ، أرتد إلى ما وراءه بوثبة أخيرة وﺃﻟﻘﻰ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻬﺮ ليغرق تحت ثقل سلاحه.

بينما هناك رواية أخرى تقول أن موسى بن أبي الغسان تمكن من الإفلات واللجوء إلى جبال غرناطة المنيعة، وأنه استمر يقود المقاومة لعدة سنوات أخرى بعد ذلك. يتبع في الحلقة القادمة حلقة خاصة جدًا بهذا البطل.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق