رحلة إلى وادي عبقر – قصة لقاء السيسبان

رحلة إلى وادي عبقر - قصة لقاء السيسبان
()

قصة لقاء السيسبان

انشقت الأرض فجأة وغصنا في الرمال اللامتناهية لنجد أنفسنا في مكان غريب كأنه منحوت بدقة في الصخر أشبه بقصر جميل ذو أنوار خافتة لا يظهر مصدرها، وكانت عيناي تجوسان خلال المكان بانبهار مما أرى، تماثيل يخيل للرائي من دقة صنعها ونحتها أنها تكاد تتحرك، أشكال حيوانات مخيفه منها ما عرفته ومنها ما لم أعرفه ينعكس عليها ضوء أزرق يعطيها مهابة ورهبة، تحس أنها ستنقض عليك في أي لحظة لتكون وجبتها الأخيرة، وأكثر ما أثار
استغرابي ذلك النهر الرقراق الذي ينساب عبر صخور المكان بانسيابية وهدوء شديدين، ما أجمله حقًا وما أبدعه لم أر صفاء مثل هذا في حياتي.

رحلة إلى وادي عبقر – قصة لقاء السيسبان

استغرقت في تأملي للمكان حتى قطع استغراقي إثنان من الحرس بلباس مميز جميل يتقدمان نحوي ولفت انتباهي الشبه الكبير جدًا بينهما وكأنهما توأمان بل هما شخص واحد انقسم إلى نصفين، أشارا إلي أن أتبعهما فنظرت
إلى صديقي الزعفران فأشار لي بيده أن أذهب وقال سأنتظرك هنا، أعطتني كلمته بأنه سينتظرني إحساسًا مؤقتًا بالأمان.

سار بي الحارسان عبر ممر جميل ثم أدخلاني بعدها إلى قاعة واسعة ضخمة فيها كل ما تشتهي النفس وتطلبه، فيها من الرياش الوثير والدر والجواهر ما يدير الرأس عجبًا وحيرة وكان هناك في صدر المكان كرسي العرش مصنوع من لآلئ ومرجان يجلس عليه رجل فارع الطول جميل المحيا ذو شارب منمق ولحية مشذبة بعناية، ابتسم لي مرحبًا وأشار للحارسان بالانصراف ثم أشار إلي مرحبًا داعيًا لي للجلوس بقربه، وكان الرجل مهيبًا بحق كيف لا يكون وهو ملك الجان، نظر إلي مليًا وطال صمته وقال أخيرًا بصوت أجش: أنت إذًا هو الفتى مروان، فقلت له: نعم يا ملك الجان أيها الملك السيسبان أنا هو مروان، فنظر لي مطولًا وسألني قليلا عن الحال والأحوال وعن أخبار البشر وغيرها من أسئلة لا أظن مثله يجهل إجابتها.

وسألني قائلًا: هل تعلم لم أمرت بإحضارك إلى هنا؟ قلت: وكيف لي أن أعرف يا سيدي ولم ألتق بأحد غير الزعفران بن العطار ولم يخبرني بشيء، فضحك وقال: لن أطيل حيرتك وسأخبرك بكل شيء. ولكن اسمح لي فسأعود بقصتي إلى ما قبل قرون من الآن…..

فاعتدلت في جلستي وتوجهت له كلية حتى لا تفوتني كلمة مما يقول. أعرفك بنفسي أولًا أنا الملك السيسبان بن عبقر بن النعمان ورثت الملك عن والدي بعد وفاته قبل عامين، وقد علمني قبل وفاته كل ما أعرفه الآن، وعلمني فن الحكم وكل شيء يعرفه، وقبل وفاته بوقت قصير أسر لي بأمر خطير لم أكن أعلمه، حيث علمت من والدي أنه كان له أخ شقيق في السن أصغر غادرنا منذ زمن طويل يدعى….. ونظر لي نظرة طويلة لم أفهم مغزاها وقال بعد صمت طويل: كان عمي الراحل اسمه الأمير خنفر وهو جدكم الأكبر وصمت مرة أخرى ليرى تأثير كلماته علي فنظرت إليه مستغربا!

هل تقول لي أن جدي ووالدك أخوان؟ وهل ذلك في الإمكان؟ وكيف مات جدنا منذ زمن طويل ووالدك لم يمت إلا من زمن قريب؟ أم أن أعمار الملوك عادة تكون أطول؟ ضحك من تلميحي وقال سمعت أن لسانك طويل وها قد عرفت ذلك الآن، لا تتعجل وحتى تفهم بعض الأمور يجب أن تعلم أن أعمارنا تختلف عن أعماركم فعمر أطفال الجن عندنا أكبر من أعمار كبار السن عندكم، نحن نعيش آلاف السنين وأنتم لا.

فقلت إذًا فأنت تعني أن جدي مات صغيرًا ولم ينطبق عليه قانون الأعمار عندكم، قال: قلت لك لا تستعجل حتى تسمع مني الحكاية، لقد كان والدي وجدك شقيقان فلما بلغا مبلغ الشباب أمرهما جدي النعمان بالتعرف على
البلدان المجاورة لتعلم ما يحيط بهما وتجهيزهما للحكم، فاختار والدي عبقر البلدان التي تسمونها أفريقيا واختار جدك خنفر بلاد الشام واليمن وما حولهما واتفقا على اللقاء بعد عام هنا، وبالفعل جالا في البلدان وتعرفا على أهلها وعادا بعد مضي عام ليضعا خبراتهما أمام والدهما فروى والدي ما استفاد منه في رحلته وما تعلمه خلال ذلك العام فلما جاء دور عمي خنفر في الحديث لاحظ جدي أنه يخفي شيئًا ولا يريد البوح به فلما سأله عن ذلك نفى وطلب تمديد مهمته ففي بلاد اليمن هناك أسرار لم يتعرف عليها بعد، ويريد معرفتها أكثر.

أحس جدي النعمان أن هناك في الأمر شيء يخفيه وهناك سر لا يريد أن يبديه وبعد إلحاح شديد وافق جدي على تمديد مهمة عمي لعام آخر ولكنه استدعى سرًا صديقك الزعفران بن العطار وكان من محاربينا الأشداء، وأمره بأن يلاحق عمي في بلاد اليمن ويراقبه ليتعرف عما يشغله وما يخفيه.

فقلت له مستغربًا: وهل كان الزعفران رفيق جدي؟ فهز رأسه وقال نعم وأكمل قائلًا: بعد فترة وصل تقرير الزعفران يفيد أن عمي واقع في غرام أميرة يمنية تدعى الأميرة سانيا تشابه بلقيس في الحسن، وأن والدها هو حاكم تلك المنطقة، على الفور أمر جدي باستدعاء ابنه خنفر على عجل وأمره أن يمثل أمامه بلا إبطاء أو كلل ولما وصل بادره بالقول إذًا فقد عشقت إنسية أيها الأمير، وأنت تعلم أن هذا محرم في قوانيننا، لقد دعوت محكمة الجن للاجتماع لمحاكمتك والقرار لهم الآن وليس لي من الأمر شيء، وأمر بحبسه حتى اجتماع المحكمة، وبعد خمسة أيام اجتمع مجلس حكماء الجن وبدأت المحاكمة التي طالت لثلاثة أيام أخرى وتوصلت المحكمة إلى أن عمي خنفر مذنب بتهمة عشق إنسية، وتم الحكم عليه بمنع خروجه من وادي عبقر ومنع اتصاله مع أي إنسي مادام حيًا.

يقول والدي أن شقيقه لم يرتض الحكم ولم يقبله وطعن فيه عدة مرات ولكن تم رفض طعنه وأنه حاول التشفع لدى
والده الملك بلا طائل، فزهد عمي في كل شيء وأصبح يهيم على وجهه في وادينا الجميل وادي عبقر وأصبح كل من في الوادي يسمعه وهو يناجي سانيا ويبثها شوقه، لقد كان حقًا مجنونًا بحبها، كان عمي مجنون سانيا، مثلما هو عندكم مجنون ليلى ثم سكت ربما ليزيد تشويقي أكثر، وقلت له لأقطع صمته أكمل أيها الملك السيسبان فقال: وهنا تدخلت الأقدار لصالح عمي، فبعد عامين من فقد الاتصال بين عمي والأميرة سانيا ووفاة والدها واستلامها الحكم مكانه وكانت طوال هذه الفترة تبحث عنه بلا طائل علمت بما حدث لحبيبها عن طريق عرافة قديرة لها اتصال ببعض أفراد عشيرتنا فعزمت على أمر عظيم يهابه الصناديد الأبطال.

قررت الأميرة سانيا الحضور في الحال إلى وادي عبقر والوصول الى جدي وعرض قضيتها أمامه. وبالفعل وبعد مضي عدة أيام وصلت إلى الوادي وطلبت مقابلة الملك النعمان مقابلة حاكم من الإنس لحاكم من الجن، وقد وافق جدي النعمان على مقابلتها فلما مثلت أمامه لم تتوانى والقت أمامه حجتها، وقالت له أنها وابنه الأمير قد عشقا بعضهما وهي تريده زوجًا لنفسها، وتتمنى موافقته على هذا الزواج ومنحهما بركته.

لم يدر وقتها جدي النعمان بما يجيبها ولكنه أبلغها بأن هذا القرار قد تم اتخاذه من قبل مجلس حكماء الجن وليس بيده نقضه أو مخالفته، فألقت الأميرة قنبلتها وكانت ذكية حكيمة، إذًا أطلب منك أيها الملك أن تعيد محاكمة الأمير مرة أخرى فقد استجدت بعض الأمور في القضية ومن حق أي متهم أن يدافع عن نفسه.

لم يملك جدي أمام إصرارها وتصميمها إلا أن يذعن لطلبها لا لشيء ولكن لأنها من مقتضيات العدل في بلادنا واجتمع مجلس حكماء وادي عبقر مرة أخرى للنظر في نفس القضية، وكانت الأميرة سانيا ذكية أريبة ذات حجة وبيان وتمتلك من فصاحة اللسان ما يخلب كل جنان، ودامت المحاكمة ثلاثة أيام فندت فيها كل حجة وأبطلت كل بيان حتى صدر الحكم بإلغاء كل الأحكام السابقة على عمي الأمير خنفر، هنا أسقط في يد جدي ولم يدر ماذا يفعل، هو يعرف، أن ولده عاشق متيم ولكن لا يستطيع تركه يذهب وطلبت الأميرة سانيا من جدي النعمان أن يبارك زواجهما فطلب منها جدي البقاء في وادي عبقر وسيبارك لهما زواجهما، ولكن الأميرة رفضت وطلبت أن يسمح لهما بالعيش في أرضها فشعبها بحاجة إليها وهي لا تستطيع تركه، وتدخل والدي الأمير عبقر لمصلحة أخيه واستعطف والده لكي يسمح لهما بالزواج
وأخيرًا وبعد إلحاح شديد وافق جدي، ولكنه حذر عمي بقوله ……

فلتعلم أيها الأمير أنه بعد زواجك بشهر واحد سينطبق عليك قانون البشر لن تعيش طويلًا مثلنا ولن تمتلك قدراتنا ولن تستطيع الوصول لأرضنا حتى نسمح نحن لك، ولن يسمح لك بوراثة شيء من أموالنا وأملاكنا، وإذا غادرتنا فسيسمى هذا الوادي باسم شقيقك الأكبر عبقر ليصبح اسمه وادي عبقر بدلًا من وادي الجن، أما إذا عدت عن قرارك خلال هذا الشهر فستعود مثلما كنت ولن يتغير عليك شيء وستظل أمير وادي الجن.

وافق عمي على شروط جدي الملك، فعاطفة الحب كانت أقوى من كل شيء بالنسبة له وتزوج الأمير خنفر من الأميرة سانيا وعاشا في جبال اليمن وإكرامًا له قامت الأميرة سانيا بتسمية الجبال هناك باسم عمي ليصبح اسمها حتى اليوم جبال خنفر، وعاشا معًا في سعادة وهناء، وبعد وفاة جدي الملك النعمان استلم الحكم بعده والدي وسمي وادي الجن بوادي عبقر وهذه هي كل القصة.

فأحببت أن أمازح الملك قليلًا فقلت له: إذًا نحن أيها الملك أبناء عم إنسي وجني. فضحك وقال: نعم نوعًا ما، فقلت وأنت ملك الجان الملك السيسبان وأنا المعدم الفقير المسمى مروان، وتصنعت الجد هل هذا هو العدل أيها الملك؟ أنا أريد حصتي من ميراث جدي فقهقه عاليًا وقال: يا صديقي الإنس لا يرث الجان وجدك أصبح إنسيًا بعد شهر من زواجه. قلت بحزن: أعلم ذلك ولكني أمازحك. ثم سألته: ولكنك لم تخبرني لماذا أتيتم بي إلى هنا؟ فقال سمعت عنك وأحببت أن أراك!!

زادتني كلماته حيرة ودهشه وقلت: سمعت عني أنا؟ وماذا سمعت؟ قال: سمعت أن هناك رجلًا بعقل إنسي وقلب جني فأحببت أن أراه، رفعت حاجبي دهشة وقلت: ثم ماذا وجدت؟ فابتسم ابتسامة خفيفة ماكرة وقال وجدت رجلًا عاديًا وربما أقل من عادي، فبادلته الابتسام وقلت: ربما أنا أدرى بنفسي منك أيها الملك، ولا تحكم أبدًا على الصقر من مرآه، هل تسمح لي بالانصراف الآن؟

فمد يده مسلمًا وشد على يدي مودعًا وقال: ربما لن نلتقي مجددًا وربما قد نلتقي من يدري يا…. ابن عمي رافقتك السلامة.

خرجت من عند الملك السيسبان لأجد رفيقي الزعفران ينتظرني وما أن رآني حتى هب واقفًا بلهفة وهو يقول:
شغلني غيابك الطويل وخشيت أن يكون السيسبان قد أطاح برأسك، فضحكت من قوله وقلت: ولماذا يطيح برأسي؟
فأجاب بسبب لسانك الطويل، فضحكت مقهقهًا من قوله وقلت: حتى أنت أيها الزعفران؟

وفجأة أحسست بأن هناك قوة ترفعنا إلى الأعلى وكأن هناك مصعد خفي لنصبح فوق سطح الأرض في تلك الصحراء المترامية الأطراف ووجدت راحلتي بانتظاري فأنختها وهممت بركوبها فطلب مني الزعفران أن انتظر وبلهجة فيها القليل من الرجاء طلب مني أن نسير معًا حتى يوصلني إلى حدود الوادي قبل أن أعود الى عالمي، أحسست من كلامه وكأنه يريد مني أن أبقى معه أطول فترة ممكنة، فأذعنت لطلبه و سرنا معًا وأثناء حديثنا قلت له إذًا فقد كنت صديق جدي فحدثني عنه فلم يزد على أن قال هو كان يشبهك وصمت.

أدركت عندها أنه لا يريد الحديث أكثر عن هذا الموضوع فغيرت دفة الحديث وقلت له كنت حدثتني عن مدينة الورد وأنكم كنتم تريدون السيطرة عليها وخطف بعض أهلها ولم تكمل، قال حقيقة حاولنا ولم نفلح لأن مدينتكم يا صديقي محصنة بطيبة أهلها ومسيجة بالود والحب، مدينتكم هذه مثال يحتذى به ولن يتكرر فاحذروا أن يعكر صفوها شيء فنحن نتربص بكم الدوائر، ولكني سأحملك بعض رسائل في كلمات إلى أناس هناك من سكانها حتى يعرفوا أننا نتابعهم باستمرار وأننا لا محالة سنأخذهم عندنا وهذه الكلمات أريد منك أن تسرها في أذانهم كل باسمه فاحفظها جيدا وأسر لي بكلماته وأسماء أصحابها فحفظتها كأنها نقشت في صدري نقشًا وأخذ علي العهد والميثاق بأن أعطيها لأصحابها.

بعدها قلت له ممازحًا :ألا تلقي في روعي الشعر فأصبح شاعرًا كبيرًا يقول الشعر وينظمه فنظر إلي مغاضبًا وقال لي: لا تكبر يا فتى فالله أكبر واحذر أن تكون مغرورًا فتصبح ذميمًا مغمورًا.

وصلنا الى حدود الوادي ومددت يدي مسلمًا شاكرًا له ولكنه لشدة دهشتي اعتنقني وضمني بشده وقال: كأن الزمان قد عاد بي عدة قرون إلى الوراء وكأني بي أودع جدك، ونظر إلي نظرة محذرة وأشار إلي بإصبعه وهو يقول: ولكن برغم ذلك لا تنسى إذا قامت الحرب بيننا فسأكون خصمك ولن أرحمك أنت وكل أهل مدينة الورد فاحذروا وابقوا على تحصين مدينتكم، فقلت له: واحذر أنت أيها الزعفران أن تقع بيدي فثأر جدي الأكبر مازال ماثلًا أمامي فأنت
خنته ولا أظن إلا أن روحه تطلب القصاص منك. فنظر لي نظرة طويلة ومشى.

نظرت خلفي ووجدت الزعفران قد اختفى تمامًا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته ووجدت دمعة تنحدر من عيني لفراقه برغم التحدي الذي حصل بيننا. ووجدت ذلك الدخان الكثيف يلفني والضوء المبهر يغمر عيناي ويجبرني على إغلاقهما بقوه لأجد نفسي جالسًا ألهث بقوة على كرسي في المطبخ ووجدت فنجان قهوتي مازال ساخنًا ومازالت دمعتي على الخد تسير.

يتبع في المقال القادمة – عودة الزعفران بن العطار.

من كتاب رحلة إلى وادي عبقر وقصص أخرى.

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق