ولا ألف ليلة وليلة – الليلة التاسعة والعشرون

ولا ألف ليلة وليلة
()

ولا ألف ليلة وليلة – الليلة التاسعة والعشرون

ضمن سلسلة قصص ولا ألف ليلة وليلة بالاشتراك مع الأديبة المصرية ربا أحمد

دخل شهريار إلى المقصورة الملكية تتأبط ذراعه
شهرزاد، وكانت أصوات ضحكاتهما تتردد في جنبات
القصر الفسيح، وكأن هذا القصر ردت فيه الروح بعد
موات ..!

جلس قبالتها، قريبًا منها يتأمل قسماتها وضحكاتها
العفوية وكذلك ابتسامتها؛ فنظرت إليه نظرات حالمة
وقالت:

ما بالك يا مولاي؟

لا شئ يا شهرزادي . .فقط كنت أفكر كيف هطلتِ على
جدب القلب كمطر عذب فأحييته وأنبت فيه كل زهور
الحب ..!

تلعثمت لتقول:

وهل أنا فعلت ذلك حقًا يا مولاي؟!

بل أكثر من ذلك لو كنت تعلمين

عاودها الابتسام والخجل الذي يجعل وجهها كثمرة
ناضجة؛ فتأملها شهريار بحب خالص ثم طلب منها برقة
لم تعهدها منه من قبل:

والآن أكملي لي الحكاية ولنر
ماذا فعلوا بالخائن شعلان.

أمرك مطاع يامولاي ..
بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أن الأمير
نوران وجيشه قد وصلوا إلى مشارف القصر ولم يلقوا
إلا بعض مقاومة بسيطة . . فقد كان الوضع هادئًا ومريبًا
أيضًا ..!

كان الجيش يتقدم بحذر شديد خوفًا من أي مفاجأة
غير متوقعة أو مكيدة . . وحين دخلوا القصر لم يجدوا فيه
أحدًا سوى الخدم . . صرخ فيهم نوران بغضب : أين الخائن
شعلان؟

نظروا إليه بذهول، وودوا لو يستطيعون سؤاله هل
عاد من الموت أو أنه شبح، لكنهم لم يجرؤوا على ذلك
وردوا بصوت مضطرب: لقد غادر القصر قبل وصولكم
من أبوابه الخلفية ولا نعرف إلى أين ذهب.

وأين ابنة عمي قمر الزمان؟

أجاب أحدهم أنها مختبئة في جناحها أيها الأمير،
وذلك بعد أن حاول الوزير شعلان أخذها معه ولكن
الوقت لم يسعفه.

نظر نوران إلى الأعلى ثم أسرع راكضًا يطوي
درجات القصر طيًا، ويختصر المسافات لهفة ..!

دق على باب حجرة قمر الزمان ولم يسمع ردًا فدق
بقوة أكبر مناديًا عليها.

استفاقت من حالة الخوف والهلع التي تملكتها منذ
حاول شعلان أخذها معه عنوة لترهف السمع جيدًا، ثم
حادثت نفسها إنه بلا شك صوت ابن عمها وحبيبها
نوران ولكن كيف ذلك، وهل في الأمر خدعة أو مكيدة
من الملعون شعلان؟!. . وقفت خلف الباب ترهف السمع
علها تظفر بالبرهان.

كان نوران يناديها لتفتح الباب وإلا حطمه؛ ففتحته
برعب و خنجرها بيدها . . كانت تريد قتل الخائن إن تجرأ
ومنها اقترب . . لكن عينيها اتسعتا لمرأى حبيب قلبها؛
فرمت الخنجر من يدها وارتمت في أحضانه تختبئ
بداخلها من كل خوف تملكها قبل سماع صوته ورؤية
ملامح وجهه.

ضمها نوران بقوة بين ذراعيه القويين، ثم رفعها
ودار بها وهو يقول بحب خالص: كم اشتقتك يا حبيبة
الفؤاد . . وكنت أخشى أن يصيبك مكروه قبل أن أصل
إليك . . كم اشتقتك يا فاتنتي وكم كانت حياتي مظلمة بعيدًا
عنك.

بأعين باكية، وصوت مرتجف همست قمر الزمان:
آآه يا نوران . . كم بكيت غيابك وكم بكيت فقدك ولم يعد
لحياتي معنى بدونك.

كانا كعصفورين يتناجيان، وقد نسيا كل ما حولهما
وكل من حولهما ولم ينتبها لعينين ترقبانهما بكل حب!.

كان الملك النعمان وقد أتى به الجند من محبسه بأمر
من نوران.

هل كان علينا أن نقاسي كل هذه الأهوال حتى نحقق
المحال ويعترف كلًا منكما بحبه للأخر؟!!

أفاقا من مناجاتهما على صوته الذي يحبانه؛ فأسرعا
للارتماء في أحضانه وبين يديه الممدودتين
لهما . . ضمهما بكل حب وأخذا يقبلان يديه ووجهه
وجبينه حامدين الله على سلامته.

بعد لحظات السعادة تلك سأل الملك النعمان نوران
بجدية: هل قبضتم على الخائن؟

ليس بعد يا مولاي ولكنه لن يفلت من قبضتنا طويلًا
ونحن نبحث عن صيد أكبر.

سمعوا في الخارج لغطًا وجلبة وقرقعة سلاح فأسرع
نوران بالنزول ليستطلع جلية الأمر وكم كانت فرحته
كبيرة وجميع أصدقاءه قادمون.

ترجلوا جميعهم عن خيلهم وعانقوه بود، ونزل الملك
النعمان ليرى هذا المشهد المهيب أمامه.
انحنوا كلهم أمامه بكل ود واحترام.
وأتى الدور على أصفهان كي يسلم على الملك ففعل
حيث سأله: ومن أنت أيها الفارس الهمام؟

أنا القائد أصفهان ابن أخ الملك مرجان ملك ملوك
الجان يا مولاي وقد أرسلني عمي الملك لأكون في
خدمتك وطوع أمرك.

ربت الملك النعمان على كتفه بود وامتنان قائلًا:
بارك الله فيك وفي أخي الملك مرجان …

كان الطريق شاقًا وطويلًا وقد أخذ التعب منهما كل
مأخذ، كان يتوقفان قليلًا ليستريحا من وعثاء الطريق
وليتأكدا أن لا أحد يتبعهما وفي كل توقف كان يعلو
صراخهما وكل منهما يلوم الآخر على ما وصلوا إليه
من حال.

قلت لك اقتل الملك وكل خاصته ولكنك لم تستمع لي
وصور لك غرورك أنك ستسجنه وتذله وتعذبه كل يوم ..

إخرس يا فضلان فليس هذا وقت اللوم وقد باءت كل
خططنا بالفشل والخسران.

أنت السبب ما لذي فعلته بي حتى جعلتني أصدقك
وأوافق على خططك.

بل جشعك وطمعك في الوزارة ما فعلا بك ذلك، هيا
بنا الآن ودعنا لا نضيع الوقت فيما ليس منه طائل
ودعنا نصل إلى مارية لتجد لنا الحل من عندها.

ركبا فرسيهما ثانية وأخذا ينهبان الطريق نهبا حتى
شارفا على الكهف وقد غابت عن أعينهما ثلاث أزواج
من الأعين تراقبهما ويود أصحابها لو ينقضون عليهما
مثل الجوارح فيمزقانهما.

دخلا إلى الكهف بهدوء ووقفا أمام مارية كتلميذين
أو بالأحرى كفأرين مذعورين، ليبادرها شعلان بصوت
مرتجف:

ما الذي حدث يا مارية هل فقدت قدرتك أم خبا سحرك؟
قلت لي أن نوران والشاطر حسن قد أصبحا في خبر
كان وها هما يعودان بجيش مكون من الإنس والجان.

وقبل أن يسمع ردها انتفض جسدها وتسمرت عيناها
على ثلاثة ظلال سوداء اقتحمت الكهف يتقدمهم عملاق
على شفتيه ابتسامة تشف وفي عينيه بريق نصر.

التفتا إلى حيث تنظر ليفاجأهما المنظر وهتفا بصوت
واحد ….. .سمحان؟!!

نعم سمحان أيها المأفونان وأظن أن وقت الخلاص
منكما قد حان.

انتفضت مارية وتحولت إلى طائر أسود ضخم كريه
المنظر وهاجمت سمحان ومساعديه فأطاحت بأحدهما
بضربة من جناحها.

قهقه شعلان وصفق بيديه فرحًا ولكن ضحكته لم تدم
طويلًا إذ سقط الطائر بضربة من سيف سمحان قصت
جناحه.

رأى الإثنان ذلك فاستل فضلان سيفه وهجم على
سمحان الذي عاجله بضربة من سيفه أطارت رأسه عن
جسده.

وقتها تحولت مارية فعادت إلى صورتها الأولى
ولكنها مبتورة اليد؛ فصرخت بسمحان ترجوه قتلها
والخلاص منها وإراحتها من عذابها.

وفي تلك الأثناء كان شعلان يقف في أحد الأركان
مرتجفًا يرقب بهلع ما يحدث أمامه وقد أيقن بالهلاك.

اقترب مساعد سمحان من مارية ورفع سيفه وطوح
به فوق رأسها، لتلتمع في عينيها نظرة ظفر لم تخف
على سمحان، ولكن يا للعجب لقد توقف السيف على بعد
شعرات من رأسها ولم يصبها بسوء.

ماذا لو قطعنا اليد الأخرى لمارية أيها القائد
سمحان؟ قالها يونس باستهزاء

وكيف ستأكل وتشرب يا يونس أبعد عن رأسك هذه
الأفكار الشيطانية.

جرب وافعلها وسيكون آخر يوم في عمرك أيها
الغبي قالتها مارية بتحد وكأنها تدعوه لفعلها.

سمعت ذات يوم أسطورة تقول: إن مارية الدموية
تبحث عن الخلود وعن عمر بلا حدود فكيف يئست من
حياتها بسرعة وتريد الموت؟ هل لديك فكرة عن ذلك
أيها القائد سمحان؟

أتصدق يا يونس لقد سمعت نفس الأسطورة أيضًا
ولكنني علمت بما لا يدع مجالًا للشك أن مارية كلما
أصابها سيف أو طعنة خنجر في أي مكان في جسمها
ازدادت قوتها وتعاظمت حتى لايمكن السيطرة عليها
فهل هذا صحيح يا ترى؟

ربما لن نعرف إلا إذا جربنا بأنفسنا وأنا أختار أن
أطعنها في بطنها وحتمًا ستموت

التمعت عينا مارية بسعادة فقد اقتربت لحظة القوة
والخلود.

اعترض سمحان قائلًا: بل أختار أن أطعنها في رقبتها
بين كتفيها.

ارتعدت مارية لما تسمع ونظرت إلى سمحان قائلة
باستعطاف أرجوك لا تفعلها بين كتفي.

قهقه سمحان قائلًا: تراهنين دومًا على ذكاءك
ونسيت أن هناك من هو أذكى منك يا مارية، ونسيت أننا
وصلنا إلى سر موتك وستموتين ليموت الشر معك.

وباغتها بطعنة قوية بين كتفيها جعلتها تخور وتخر
بلا حراك، ليتحول جسدها إلى كتلة شر سوداء بدأت
بالاحتراق والتلاشي.

نظرا إلى شعلان القابع في الركن يرتجف كفأر
مذعور ليقول سمحان:

والآن حان دورك أيها الخائن وسأسلمك لمولاي
الملك النعمان لتنال جزاءك العادل.

أوثقا يديه بحبل وأوثقاه إلى حصان يجره خلفه وهو
يسير خلف الحصان، وساعد يونس رفيقهم المصاب
على الركوب.

وصلوا جميعًا إلى القصر وربطوا خيلهم وجروا
الخائن ليمثل أمام الملك النعمان.

دخل الخائن وارتمى أرضًا من الخوف والتعب وأجال
بصره فيمن حوله . . كان كل خصومه ومن ظلمهم
مجتمعين في القاعة حول الملك.

تقدم منه نوران وأمسك برأسه ليقول بتشف بالغ: لقد
حاولت التخلص مني والزج بي في الأهوال، ولكن الله
رد كيدك إلى نحرك يا شعلان الجبان، وصدقني أنا
أسامحك بحقي ولكن .. . لن أسامحك بحق ابنة عمي
أبدًا . . والتفت إلى قمر الزمان وناداها لتقترب وقال لها:
خذي بحقك منه . .

وما هي إلا لحظة حتى استجمعت قواها
ثم لطمته لطمة أطارت الشرر من عينيه ليسمعها تقول:
هذه مقابل لطمتك لي أيها الخرف . . ولطمته ثانية وهي
تقول: وهذه مقابل تفكيرك للحظة أن أكون لك زوجة
وجارية.

أمسك نوران كتفيها برفق وسحبها من أمامه قائلًا:

هوني عليك يا قمر الزمان . . ولا تجعلي كفيك الجميلان
بملمس هذا القذر يتسخان.

استدار شعلان أمام الملك النعمان يذرف دموع الأسى
والندم على ما فعله يرجوه قائلًا: الرحمة يا مولاي
. .سامح عبدك فقد أخطأ وعلى يديك تاب.

هدر صوت الملك: كنت في القصر موظفًا صغيرًا
فرفعنا درجتك وأعليناك حتى تبوأت أعلى مناصب
الدولة، وكنت فقيرًا فأغنيناك حتى صرت من الأعيان
الأثرياء .. ولكنك طمعت بما ليس لك فتبًا لك … خذوه
وألقوه في السجن حتى يجتمع مجلس القضاء ويحكم
في أمره.

الرحمة يا مولاي …

خذوه من أمامي فلا رغبة لي برؤيته.

بدأ صوتها يتثاقل ورأسها تميل، وبدأت تفتح عينيها
بصعوبة والملك ينظر إليها بنفاذ صبر يحثها أن تكمل،
حتى سقط رأسها على الوسادة؛ فضحك وهز رأسه قائلًا
لها بهمس:

مهما كبرت ستظلين طفلة . . ولكن للحقيقة
طفلتي المدللة.

رفعها بين ذراعيه بلطف ووضعها في سريرها، ثم
دثرها بعناية ليقول مقبلًا جبينها:

تصبحين بقلبي شهرزادي الرائعة.

إقرأ أيضًا: الليلة الأولى من كتاب ولا ألف ليلة وليلة

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق

اترك تعليقاً