ولا ألف ليلة وليلة – الليلة الثلاثون

ولا ألف ليلة وليلة
()

ولا ألف ليلة وليلة – الليلة الثلاثون

ضمن سلسلة قصص ولا ألف ليلة وليلة بالاشتراك مع الأديبة المصرية ربا أحمد

دار الملك بين رجاله الواقفين مربتًا على أكتافهم،
حتى وصل إلى القائد سمحان فاحتضنه بود قائلًا:
كم ظلمناك وارهقناك يا أخلص الرجال وكدنا أن
نفقدك بمكيدة ذلك الخبيث المحتال.

أحنى القائد سمحان رأسه ممتنًا وهو يقول للملك:
الحمد لله الذي أظهر لك حقيقة مكائده يا مولاي.

ربت الملك على كتفه ثم التفت إلى الشاطر حسن
وأخوه القبطان حسين وابتسم قائلًا: لم تخب فراستي
فيكما منذ رأيتكما أول مرة وكنت أعرف أنكما لن
تخذلاني أبدًا .. تمنيا علي وسأعطيكما كل ما تريدان.

قال حسن بسرعة: نتمنى لك طول العمر
يا مولاي . . لقد علمت بما حصل معنا من قتال للقراصنة
شديد وتمكننا من أسر قائدهم حسان. وما رافق ذلك من
عثورنا على أختنا وتبينلنا بعدها أن حسان هو ابن
أختنا . . لذا نلتمس منكم يا مولاي أن تشمله بكريم عفوك
وكرمك وأن تضعه تحت رعايتك كما فعلت معنا في السابق.

أطرق الملك قليلًا ثم ابتسم ليقول: لكما ذلك أيها
القبطانان وطلبكما مجاب على العين والرأس.

تهللت أسارير الأخوان لعطف الملك صاحب القلب
الكبير، ثم سمعاه يقول:

والآن يا نوران أنت وقمر الزمان لم يبق لدينا سوى
إعلان الخبر السعيد . . وإعلاء الرايات لإعلان زواجكما
الميمون.

أخفضت قمر الزمان رأسها بحياء، وتورد وجهها
خجلًا؛ فنظر إليها نوران ثم أطرق برأسه قائلًا لوالده:

ليس هذا هو الوقت المناسب يا مولاي …!

نزلت كلماته كالصاعقة على رأس قمر الزمان، ولم
تصدق ما سمعته منه الآن . . للمرة الثانية يرفض حبها
ويرفض الاقتران بها . . وهي المستعدة دومًا لإعطائه كل
عمرها ..!

غادرت القاعة على عجل وسط ذهول الملك النعمان
ولم يحر جوابًا، هل عاود الخبال ولده ثانية؟ هل يكذب
ما رأته عيناه من دلائل حب لم يخجل أن يبديها؟!

استأذن نوران من والده الملك النعمان ومن
الموجودين واعدًا إياهم أن يعود ليفسر لهم السر وراء
كلماته.

لحق نوران قمر الزمان إلى مقصورتها، طرق الباب
ثم دلف إلى الداخل، كانت الأميرة تبكي بحرقة وأسى،
وحين وصل أمامها أشاحت بوجهها عنه وهي تقول
بقهر يقطر من حروفها:

هل جئت لتهينني أكثر يا
نوران؟ هل جئت لتقول أن حبك لي ليس بالإمكان؟
جثًا أمامها ثم أمسك بكفيها الصغيرتين بين كفيه
ونظر في عينيها مبتسمًا وهو يقول: هل عندك شك يا
أميرة قلبي أن يوم اقتراني بك هو يوم سعدي؟

زاد نشيجها لما تسمع وقالت: إذًا ماذا يانوران؟ لم
تبعدني كلما اقتربت منك؟! لم تجعلني أحلق عاليًا
كعصفور سعيد ثم تلقيني من الأعلى فتكسر جناحاتي؟!!

مد نوران يده فمسح دموعها المنهمرة كشلال، ثم
اقترب منها مقبلًا جبينها في الحال ..!

سامحيني يا أميرتي . .لقد تسرعت في الحكم علي
وغادرت القاعة مغاضبة قبل أن تسمعي أسبابي وقبل
أن تسمعي مفاجأتي …

أي مفاجأة تلك التي تجعلك ترفض الزواج مني أمام
الملأ يا نوران؟

بل لو تريثت قليلًا لطلبت يدك من والدي أمام الملأ
وسأقدم لك مهرًا لم تنله أميرة من قبلك . . بل لم تنله
إنسية.

أثار اهتمامها بكلماته لتسأله وهي تكفكف دموعها
بظاهر كفيها اللتين سحبتهما من كفيه كالأطفال: وما هو
هذا المهر الثمين؟!

ابتسم لنقاء قلبها وطفولتها التي لم تغادرها بعد ثم
غمز بعينيه: حين يحين الوقت سترين.

نظرت إليه بغضب طفولي وقالت: ألن تخبرني؟
بل سأخبرك ولكن في الوقت المناسب وليس الآن.
تنهدت لتسأله متشككة: أحقًا ما تقول أم أنك فقط
تماطل يا أمير؟

بل كل الحق أقول يا أميرتي . . وسننتظر عودة
صديقي أصفهان غدًا ليلًا.

عادا إلى القاعة وقد رضيت ولكن الملك النعمان كان
قد عقد العزم على طلب مهر لا يستطيعه إنسان مقابل
موافقته على زواج نوران من ابنة أخيه وذلك كعقاب له
وحتى يلقنه درسًا لن ينساه . . وكي لا يكسر خاطر قمر
الزمان مجددًا.

أعلن نوران أمام الملأ رغبته في الزواج من ابنة
عمه الأميرة قمر الزمان، التي كانت تجلس قرب عمها
الملك فيحتضنها بيده حانيًا عليها.

هلل الجميع وسعدوا لهذا الطلب إلا أن الملك النعمان
اوقفهم بإشارة من يده قائلًا:

أنت تعرف أيها الفارس أنك جئت تطلب يد قمر
الزمان التي هي بمثابة ابنتي، وزواجك منها لن يكون
بالأمر الهين إن لم تقدم مهرًا كبيرًا ومميزًا يليق بها
وبعمها الملك وإلا … .فلا عروس لك عندنا.

اقترب نوران من قمر الزمان يقول برجاء: قولي
شيئًا أيتها الأميرة.

ضحكت برقة وحياء، ثم قالت بخيلاء و كبرياء: لقد
قالها عمي الملك النعمان . . إن لم يكن مهرك المقدم ثمينًا
ومميزًا يليق بأبناء الملوك . . فلا عروس لك عندنا يا
أمير.

استدار نوران بغيظ وهو يتمتم: حسنًا يا قمر
الزمان . . سترين لاحقًا.

خرج غاضبًا وسط ضحكات مكتومة من الملك وقمر
الزمان وبقية الجلوس من القادة و الفرسان.

في المساء وعند غروب الشمس عاد نوران إلى
القصر وبصحبته أصفهان، وطلب من الملك النعمان
استدعاء كل من كان موجودًا في القصر الليلة الفائتة
حتى يقدم مهره أمامهم، وبالفعل اجتمع كل من كان
موجودًا واستغربوا كيف استطاع نوران تدبير المهر
بتلك السرعة.

صفق نوران بيديه طالبًا من الخدم إدخال الصندوق
الذي كان طويلًا ورفيعًا، والذي كان ملبسًا بالقطيفة
الملكية، و موشى بخيوط ذهبية، يحمله خادمان في كل
جهة واحد ..!

أشار نوران إلى قمر الزمان قائلًا: هلا تفضلت
الأميرة سليلة الملوك – قمر الزمان بالموافقة على هدية
الفارس نوران؟

أجابته وهي تغالب ابتسامتها: سننظر في أمرك أيها
الفارس نوران . . ونرى إن كان ذلك بالإمكان.

سارت على مهل حتى وصلت إلى الصندوق الصغير،
ففتحته ليسقط عليه الضوء ويتلألأ بلمعان يغشى
العينينين ويزيغهما.

وقف الملك يدفعه الفضول ليرى ماذا أحضر نوران
فأغلقت قمر الزمان الصندوق بسرعة حتى لا يرى الملك
ما بداخله؛ صدم الملك لهذا التصرف من ابنة أخيه
وأسرها في نفسه، أما قمر الزمان فسارت أمام الخدم
وأمرتهم أن يتبعوها وحين وصلت إلى الملك النعمان
انحنت بكل احترام:

مولاي الملك، هل تتفضل مشكورًا
وتتقبل مهري المقدم من ابن عمي الأمير نوران؟
هنا ابتسم الملك وقال: وإن لم تعجبني الهدية؟

لك كل الحق أن ترفضها وتطرد صاحبها.

حسنا يا ابنة أخي . . الرأي هو ما قلت.
اقترب الخدم يحملون الصندوق فأشارت لهم بفتحه
أمام الملك واشرأبت أعناق الموجودين لمعرفة ماهية
المهر الموجود بداخله.

نهض الملك النعمان من مكانه حين رأى محتوى
الصندوق صائحًا:
لقد فعلتها يا نوران .. .لقد فعلتها أيها الفارس
المقدام . . لقد أحضرت ريشات النسر الذهبية.

نعم يا مولاي ولم أكن لأستطيع ذلك لولا مساعدة
صديقي العزيز أصفهان . . وزوجته الأميرة مرجانة ابنة
عمه الملك مرجان.

ولكن كيف استطعتم ذلك؟

ابتسم اصفهان قائلًا : مولاي ذلك شئ يسير . . وبالذكر
غير جدير . . فالنسر الذهبي صديقي وأحد أخلص أتباعي
المخلصين . . كما أنه حارس على جزيرة ما وراء الشمس
أمين . . ولم يكن من الصعب اقناعه بالتخلي عن ثلاث
ريشات من ريشاته الذهبية الثمينة.

بورك فيكم جميعًا . .فلتعلنوا في طول البلاد وعرضها
أننا قد حصلنا على الريشات الذهبية، وصارت لنا
السيادة على كل الممالك الغربية … ولتتجهز البلاد
لزواج ولدي نوران من ابنة أخي قمر الزمان . . أريده
عرسا أسطوريًا يشهده الإنس وأصدقاءنا من الجان.

اقترب نوران من والده وهمس في أذنه: مولاي . . لقد
بقي شئ واحد قبل الإعلان .. هدية عرس ملكية
للعرسان مرجانة وأصفهان.

نعم . . الحق معك يا ولدي فهما بالفعل
يستحقان . . ومهما كانت الهدية ثمينة فستظل مقابل
صنيعهما تعد بأبخس الأثمان . . اذهب في التو واحضر
الهدايا بلا توان.

غاب نوران فترة قصيرة ثم عاد يتبعه خادمان
يحملان في أيديهما صندوقان.

تناول أحدهما الملك وقدمه للأمير أصفهان قائلًا:
هدية لا يستحقها سواك يا سيد الشجعان وقائد الفرسان.

تناولها منه الأمير بكل امتنان وفتح الصندوق ليجد
فيه سيف ليس له مثيل وليس له ثان، سيف ذهبي
مرصع بالجواهر والمرجان. اقترب منه نوران قائلًا:
قيمة هذا السيف يا صديقي ليس بما يزينه من جواهر
ومرجان، اسحبه من غمده الآن.

حين سحبه خطف الأبصار ضوء أزرق يشع منه،
فهتف قائلًا: السيف البلوري الأزرق؟!

نعم يا صديقي . .السيف البلوري الأزرق، من يحمله
يسيطر به على كل طوائف الجان.

ولكنني كنت اظنه أسطورة ليس لها وجود.

بل هو حقيقة تتوارثها أسرتنا على مر الأزمان . . وقد
أصبح لك أيها الأمير أصفهان.

تناول الملك من الخدم الصندوق الخاص بهدية
الأميرة مرجانة وأعطاه للأميرة قمر الزمان لتقدمه
للأميرة مرجانة قائلًا: تقبلي مني يا ابنتي هذه الهدية
المتواضعة.

حين فتحت الصندوق شعت الأضواء
المبهرة فخطفت الأنظار وحبست الأنفاس، وشهقت
مرجانة شهقة إعجاب ودهشة . . كان عقدًا ماسيًا لم ير
مثله أبدًا سواء في حجم ماساته أو دقة صناعته،
والأغرب أنه ينتهي بماسة فريدة مميزة نقش عليها
صورتي مرجانة وأصفهان بشكل يثير الدهشة والعجب.

ألبستها إياه قمر الزمان، وطبعت على وجنتيها قبلات
متمنية لها الحياة السعيدة.

بعد أسبوع كان الزفاف الأسطوري الذي لم تشهد
مثله البلدان . . قمر الزمان تزف إلى حبيب القلب
نوران . . وقد حضر زفافهما الإنس والجان.

والآن فقد انتهت حكايتنا يا مولاي ولكن … لم تنته
بعد كل الحكايات . . والأمر الآن بيدك إما ان تأمر عبدك
مسرور فيزيل الرأس عن الجسد وهو مسرور وإما
.. أن تنتظر حكاية أخرى من حكايات شهرزاد.

ربت شهرزاد على رأسها بحب ثم قال:

لم يعد هناك دور معنا لمسرور . . يا من جلبت لقلبي كل
الفرح والسرور . . وأنبت فيه بالحب أجمل
الزهور . . ستعيشين العمر كله معي وبقلبي يا شهرزاد،
وسأنتظر حكاياتك بشغف بلا خوف منك . .ومني بلا
استبداد.

لا حرمني الله منك يا مالك الفؤاد . .ونظرًا لكلماتك
تلك فأنا على أتم استعداد . .أن أبدأ ليلة الغد في سرد أحب
الحكايات إلى قلبي . .وأولها حكاية حسان القرصان . . الذي
ترك حياة القرصنة وصار قبطان . . يجوب البحار لينقذ كل
مكروب على الشطآن . . حتى وصل ذات يوم إلى جميلة
الياقوت والمرجان …

جميلة الياقوت والمرجان؟!. .من هي تلك؟ . .قولي يا
شهرزاد في الحال.

تعالت ضحكاتها، ثم برقة همست لملكها:

قلنا سأبدأ
الحكاية ليلة الغد يا مولاي . . ألم تسمع صياح الديك؟

ذلك الكائن الصغير . . يمعن في ازعاجي وأنا صابر
عليه لأجلك أنت يا ملكة الأساطير.

إقرأ أيضًا: الليلة الأولى من كتاب ولا ألف ليلة وليلة

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال
‫0 تعليق

اترك تعليقاً