ما هو الفرق بين التنشئة والطبيعة؟

ما هو الفرق بين التنشئة والطبيعة؟
()

يعد السؤال عن الفرق بين التنشئة والطبيعة من أبرز القضايا الفلسفية المتعلقة بعلم النفس، وذلك لدراسة العوامل المؤثرة على العديد من تفاصيل الحياة اليومية، ويهتم علماء النفس بهذا الفرق لدراسة العوامل المؤدية إلى الإصابة بأمراض نفسية معينة، هل هي نتيجة الطبيعة، أو التنشئة، وما الفرق بينهما؟

يُقصد بالطبيعة جميع الجينات والعوامل الوراثية المؤثرة على شخصيتنا وهويتنا، بداية من مظهرنا الخارجي، ووصولًا إلى ردات فعلنا وشخصياتنا المختلفة.

أما التنشئة فهي المتغيرات البيئية التي تؤثر على شخصية الفرد، كتجارب الطفولة المبكرة، التربية، التنشئة، العلاقات الاجتماعية، الحالة المادية والثقافة المحيطة بنا.

من الجدير بالذكر أن كل فرع من فروع علم النفس يركز على نهج محدد ضد نهج آخر، فعلى سبيل المثال يميل علم النفس اليبولوجي إلى التأكيد على أهمية الطبيعة الوراثية والحيوية وتأثيرها على نفسية الفرد.

بينما يميل علم النفس السلوكي على التركيز على سلوك الأشخاص المحيطين بالفرد، كمجتمعه، علاقاته الاجتماعية، عائلته وتنشئته.

كان نقاش علماء النفس في الماضي يركز على جانب واحد منهم فقط، وكان كل جانب يُجادل بصحة جانبه، فالأول يقول أن الطبيعة الوراثية هي المحرك الأساسي لشخصية الفرد، وأما الجانب الثاني فيجادل بأن دور الوراثة لا يُذكر، والتركيز يجب أن يوجه نحو التنشئة.

ولكن اليوم، أدرك معظم خبراء علم النفس أهمية عامل الطبيعة والتنشئة في صقل شخصية الفرد وردات فعله، ويتفاعل عاملا الطبيعة والتنشئة معًا دون انتقاص أهمية أحدهما.

ربما يبدو هذا غريبًا للوهلة الأولى، ولكن إلى أي مدى يمكن أن تؤثر العوامل الوراثية أو البيئية على السلوك، وما الدور الذي تقوم به هذه العوامل بالضبط؟

كانت هذه الأسئلة هي النقاش الرئيسي لمجموعة من علماء علم النفس، الوراثة الجينية والعلوم البيئية.

اقترح بعض الفلاسفة كأفلاطون وديكارت بعض الأفكار المتعلقة بهذا الصدد، فذكرا أن بعض الامور يمكن أن تكون فطرية أو تحدث بشكل طبيعي بغض النظر عن التأثيرات البيئية، ويُجادل العديد من العلماء على أن معظم السلوكيات تحدث نتيجة الوراثة فقط.

وفي المقابل صدّق بعض الفلاسفة كجون لوك بفكرة أطلق عليها اسم الصفحة البيضاء (باللاتينية: tabula rasa)، وتُشير هذه الفكرة إلى أن العقل في البداية يشبه الصفحة الفارغة البيضاء، ومع التقدم في العمر تمتلئ هذه الصفحة بالخبرات التي تُشكل شخصياتنا.

أما بعض العلماء السلوكيين التجريبيين فوضحوا بأن معظم السلوكيات ناتجة عن التعلم، حيث يعيش الإنسان العديد من المواقف خلال طفولته، والتي يتكيف تدريجيًا معها، وبذلك يعتقد البعض ومنهم جون بي واتسون بأنه يمكن تدريب الأشخاص حول العالم على أي شيء، ودعمهم ليصبحوا أي شيء يُريدونه بغض النظر عن تاريخهم الوراثي.

أمثلة على الفرق بين التنشئة والطبيعة

هذه الأمثلة هي ما جعلت علماء النفس يُركزون على فهم الفرق بين التنشئة والطبيعة.

فعلى سبيل المثال حين ينجح شخص ما أكاديميًا، فهل يفعل هذا نتيجة وراثته جينات النجاح من والديه، أو نتيجة حياته في بيئة غنية، أو حتى نتيجة اجتهاده الذاتي؟

وأيضًا، إذا أساء شخص ما معاملة زوجته، فهل يعود السبب في ذلك إلى وراثته ميولًا عنيفة من والديه، أم تعلم ذلك من خلال مراقبة مجموعة من الأشخاص قساة القلب، أم بسبب مشكلة نفسية متعلقة به وحده؟

يُمكن أيضًا أن يصاب العديد من الأشخاص بالأمراض الوراثية، أو يرثون الطول، لون العين، لون البشرة وطبيعة الشعر من والديهم، ولكن وجدت مجموعة من الدراسات الأخيرة ايضًا أن لمتوسط العمر تأثير وراثي، ولكن حتى هذه الخصائص الوراثية يمكن أن تتأثر بنمط الحياة والعوامل البيئية.

يمكن أن يتعلم بعض الأطفال من خلال التنبيه والملاحظة كيفية التصرف بلطف، فيتعلمون الجلسة الصحيحة وقول “من فضلك” أو “شكرًا لك”، وفي المقابل يمكن أن ينخرط بعض الأطفال بنشاطات عنيفة خلال اللعب، أو يكتسبون التصرفات العنيفة من أفلام الرسوم المتحركة.

وهذا يتفق مع أحد الأمثلة المتعلقة بالنظرية التجريبية في العلم النفس، والتي يُطلق عليها اسم نظرية التعلم الاجتماعي، والتي وضعها ألبرت باندورا، وتنص النظرية على أن الأشخاص يتعلمون بشكل أفضل من خلال مراقبة الآخرين.

استخدم باندورا في تجربته دمية بوبون ووضحت نتائج تجربته أنه يمكن للأطفال تعلم السلوكيات العدوانية ببساطة من خلال مراقبة شخص عدواني في حياتهم.

حتى اليوم، وعلى الرغم من إدراك أهمية التنشئة والطبيعة معًا على شخصية الفرد، ولكن لا يزال البحث في علم النفس يُحاول التأكيد على أهمية أحد هذه العوامل على الآخر.

ففي علم النفس الحيوي يحاول العلماء استكشاف تأثير الناقلات العصبية على السلوك، وبهذا فهم يميلون إلى عامل الطبيعة.

وفي علم النفس الاجتماعي يُجري الباحثون دراسات لمعرفة مدى تأثير ضغط الأقارب، وسائل التواصل الاجتماعي، وسلوكيات الأصدقاء على السلوك العام للفرد، وهذا يميل إلى التركيز على عامل التنشئة فقط.

التفاعل بين التنشئة والطبيعة

ما أدركه العلماء والباحثون حديثًا هو أن فهم التفاعل بين التنشة والطبيعة هو العامل الأهم على الإطلاق لفهم العوامل المؤثرة على شخصية الفرد.

وطرح كيفن ديفيز مثالًا لهذا التفاعل فقال: “إن النغمة المثالية هي القدرة على اكتشاف أفضل نغمة موسيقية تمنح اللحن دون حفظه مسبقًا، ويعتقد العلماء أن المهارات الموسيقية مرتبطة على جين واحد، ولكن امتلاك الطفل لهذا الجين غير كافي ليصبح موسيقيًا محترفًا، وبذلك فإن التدريب على الموسيقى خلال مرحلة الطفولة المبكرة هو ما يسمح لهذه القدرة الوراثية بالتعبير عن وجودها”.

من الأمثلة الآخرى على التفاعل بين التنشئة والطبيعة صفة الطول، حيث يمكن أن يولد الطفل في عائلة جميع أفرادها طويلي القامة، ويُعتقد بأنه غالبًا ما يكون قد ورث صفة الطول، ولكن إذا تربى الطفل في بيئة فقيرة، أو لم يتلقى الطفل التغذية المناسبة له، لن يصل إلى نفس الطول المتوقع في حال تربى في بيئة اكثر صحة.

وجهات النظر الحديثة

حصد فهم الفرق بين التنشئة والطبيعة اهتمام علماء النفس منذ القِدم، وكان دائمًا ما يثير هذا الحديث الجدل بينهم.

كان أيضًا لفهم العلاقة بين التنشئة والطبيعة محاولة إجراء العديد من التطورات منها علم تحسين النسل.

يقول عالم النفس فرانسيس غالتون، وهو ابن عم تشارلز داروين، أنه يجب تشجيع الأفراد الأذكياء على الإنجاب، بينما لا يجب تشجيع الأفراد الأقل ذكاء على ذلك، وهذا لاعتقاده بأن الطبيعة الوراثية وحدها هي العامل المؤثر على شخصية الفرد.

ولكن اليوم تمت معارضة هذا المفهوم علميًا، فكل من التنشئة والطبيعة لهما دور في صقل شخصية الفرد وذكائه، ويرث العديد من الأشخاص جينات وراثية متعلقة بالذكاء، الطول، والمهارات المختلفة، ولكن إذا لم يتم التدرب على استخدام هذه المهارات وتطويرها بالوسائل المختلفة، فلن يكتسب الشخص هذه الصفات من محض ذاته.

من العوامل المؤثرة أيضًا على إظهار المواهب الموروثة التجارب الاجتماعية، التربية الصحيحة، التغذية السليمة، ورغبة الفرد باكتساب مهارة ما وتطويرها من دون الضغط على رغباته.

هذا ما يجعلنا نتفرع إلى جانب آخر مهم في علم النفس، وهو أن لكل فرد على كوكب الأرض رغبته التي يمكن أن تتعارض مع والديه، فلا يشترط أن يكون ابن الموسيقي موسيقيًا، وإلا فحتى التعاون بين التنشئة والطبيعة لن يجعله موهوبًا.

المرجع:

اقرأ أيضًا: دراسة غريبة تكشف العلاقة بينَ تفضيلات الطعام وأصابع اليد

فضلا قيم المقال

أضغط على النجمة للتقييم

متوسط التقييم من خلال تقييمات

لا يوجد تقييمات, فضلا قيم المقال

شكرا لأعجابك بالمقال

فضلا شارك المقال

نحن نأسف لأن المقال لم يعجبك

ساعدنا على تحسين المقال

برأيك كيف من الممكن ان نحسن من المقال

فضلا شارك المقال

خريجة بكالوريوس علوم حياتية ومختبرات طبية، وأدرس في سنتي الأولى لماجستير وقاية النبات، وحاصلة على شهادة الICDL و شهادة TOEFL في اللغة الإنجليزية، وأسعى لتعلم المزيد بإذن الله. لدي قناعة بأن لا أحد يمكنه التوقف عن التعلم، فالعلم هو الحياة، واسمحوا لي بمشاركتكم على هذه المنصة ما أستطيع الوصول إليه من العلم من مصادره الموثوقة.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً