هل يمكن أن يؤثر المناخ على صحتك العقلية؟

هل يمكن أن يؤثر المناخ على صحتك العقلية؟
شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هل يمكن أن يؤثر المناخ على صحتك العقلية؟

عندما وصل خبر قرب إعصار كاترينا من المنطقة، قامت ساندي روزنتال مع زوجها بحزم الأمتعة الكافية لثلاثة أسابيع، وصعدوا إلى الطابق العلوي من منزلهم حتى تم إجلاؤهم إلى أحد الفنادق وشعروا بالأمان.

لكن بينما كانوا ينظرون إلى شاشات التلفاز وما تعرضه من كارثة، تغير كل شيء بالنسبة لساندي، فذُهِلت ولم تستطع الاسترخاء، ولم تعد تفعل أي شيء سِوَى القراءة أو متابعة الأخبار المتعلق بالأعاصير.

تقول ساندي:” التصقت تمامًا بجهاز التلفاز، فأصبحت أمامه بمجرد الاستيقاظ حتى النوم، وإذا تركت التلفاز فإني أستمع إلى الأخبار عبر المذياع، لم يعد هناك شيء في حياتي ما عدا الأخبار”.

ثم انكسرت السدود، ولم يعد بإمكانهم العودة إلى منزلهم، واستمر الوضع على هذه الحال لثلاثة أشهر لم تستطع ساندي الاسترخاء فيهم.

ظَنّت ساندي أن ردة فعلها كانت طبيعية، ولكن الآن بعد سنوات أدركت أنها كانت تتعرض لانهيار عصبي، وأن المناخ أثر على صحتها العقلية.

ختمت ساندي تجربتها بكتابة كتاب بعنوان:” الكلمات تهمس في الماء: لماذا انكسرت السدود في إعصار كاترينا”، واشتمل جانب من قصتها على تحذير بشأن أثر المناخ على صحتنا العقلية.

تغير المناخ

وفقًا لمركز حلول المناخ والطاقة، فمن المتوقع أن يزيد الاحتباس الحراري من شدة وتواتر الظواهر الجوية والكوارث بما يتضمن موجات الحرارة، الفياضانات والأعاصير.

ويُشير التقوم الوطني للمناخ بأنه من عام 2018م حتى الآن ازدادت درجة الحرارة، عدد موجات الحرارة، الأمطار الغزيرة والأعاصير بشكل واضح.

تتوقع الاحصائيات أنه بين عامي 2030 و2050 من الممكن أن تتسبب التغيرات المناخية في ما يقارب 250 ألف حالة وفاة إضافية سنويًا، وهذا نتيجة الإجهاد الحراري، سوء التغذية الناتجة عن الكوارث البيئية، انتشار الأمراض والإسهال.

أثر المناخ على صحتك العقلية

وفقًا لإحدى التقارير، فإن 25 -50% من الأشخاص المعرضين للكوارث المناخية هم معرضون أيضًا لخطر مشاكل الصحة العقلية.

ويضيف التقرير ذاته إلى أن حوالي 54% من البالغين و45% من الأطفال يعانون من الإكتئاب بعد الكوارث الطبيعية.

فعلى سبيل المثال بعد إعصار كاترينا أصيب 49% من الناجين بمشاكل نفسية، بما يتضمن اضطرابات القلق والمزاج، علاوة على ذلك أصيب شخص من بين ستة أشخاص باضطراب ما بعد الصدمة الانتحاري.

لاحظ أيضًا علماء النفس انتشار مجموعة من الأعراض يُطلق عليها اسم تفاعلات الاستغاثة، والتي تتضمن الأرق، سرعة الغضب، الاكتئاب، وزيادة الجوع العاطفي.

يمكن أن تتلاشى هذه الأعراض وتُشفى بمرور الوقت، ولكن هذه الحالة لا تُعمم، فإذا كان الأشخاص المصابين بهذه الأعراض لا يطلبون المساعدة أو لا يتعاملون مع الصدمة فيُمكن لصحتهم العقلية التأكثر بشكل أكبر.

تتسبب تغيرات المناخ أيضًا بتغيرات بطيئة في طبيعة كوكب الأرض، ولاحظ العلماء تأثر هذه التغيرات بشكل تدريجي على الصحة العقلية.

تشير دراسة في عام 2017م إلى وجود علاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة العدوانية، العنف وسرعة الغضب.

ولوحظ في دراسة أخرى أجريت في عام 2020م أن ارتفاع درجة الحرارة يرتبط بزيادة معدلات الإصابات الغير مقصودة أو الإصابات المتعمدة كالانتحار.

ليس هذا فحسب، بل أجريت دراسة أخرى في عام 2019م وجدت احتمالية وجود ارتباط بين جودة الهواء السيئة وبين زيادة معدلات الإصابة بالقلق، انفصام الشخصية والعديد من الاضطرابات الشخصية الأخرى، وأجريت هذه الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك.

لكن لا تزال نتائج هذه الأبحاث بحاجة إلى أبحاث أخرى توثقها وتؤكدها.

أثر المناخ الغير مباشر على الصحة العقلية

بمجرد مشاهدة أو قراءة الأخبار المتعلقة بتغير المناخ أو بالكوارث الطبيعية، أو ربما الاستماع إلى الأصدقاء والمعارف المقربين عن الأحداث المناخية القاسية، فذلك سيكون له تأثير غير مباشر على صحتك العقلية.

في عام 2019م أجري برنامج ييل استطلاعًا عن القلق تجاه التغيرات والكوارث المناخية، وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 66% من الأشخاص المشاركين بالاستطلاع يشعرون بهذا القلق، وهذا أكثر بنسبة 10% عن نتائج عام 2014م.

وهذا يعني أن حتى الأشخاص الذين لم يتعاملو بشكل مباشر مع الكوارث البيئية يشعورن بالقلق منها، وتوافق نائبة رئيس قسم الطب النفسي والعلم السلوكي إليسا إيبيل على هذا، وهي واحدة من أعضاء هيئة التدريس في فريق العمل المسؤول عن تغيير المناخ والصحة العقلية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو.

وتضيف إيبيل قائلة:” يؤدي تغير المناخ إلى غرس شعور باليأس والخوف في الجيل الجديد، وستتبع هذه التغيرات المناخية العديد من الاضطرابات العاطفية المعقدة بما فيها الاكتئاب، القلق واليأس.

يمكن أيضًا أن يختلف تأثر الأشخاص بالكوارث البيئية والتغيرات المناخية بحسب أعمارهم، فهذه الظواهر تقلق الشباب بشكل خاص.

أشارت دراسة في عام 2018م بعد دراستها على مجموعة من الحالات إلى أن لتغير المناخ أثر على زيادة خطر إصابة الأطفال بمشاكل الصحة العقلية، بما فيها اضطرابات ما بعد الصدمة، الاكتئاب، القلق والرهاب.

تقول إيبيل في هذا الشأن:” شبابنا معرضون بشكل أكبر إلى المشاكل العاطفية نتيجة الأخبار المتعلقة في أمور لا يمكننا السيطرة عليها، ولهذا يبدو الأمر مخيفًا أكثر بالنسبة لهم، وكلما كان الطفل أصغر سنًا كلما تعرض إلى ضيق أكبر، وهذا لأنه يرى أنه غير مؤهل عاطفيًا للتعامل مع هذا العبء الثقيل”.

وعندما يصبح هؤلاء الأطفال في عمر المراهقة، فإن قلقهم لا يقل، ربما لأنهم اعتادوا على هذه الخوف منذ نعومة أظفارهم، ولم يتم التعامل مع خوفهم بشكل احترافي.

يتعرض الأشخاص الذين يعيشون في ظروف صعبة، كالمهاجرين، اللاجئين وغيرهم ممن يعانون من مستوى اقتصادي منخفض من ضغوطات نفسية نتيجة ظروفهم الاجتماعية والتغيرات المناخية المحيطة بهم.

كيف نمنع تأثر الصحة العقلية بالمناخ

في الحقيقة، ستبقى هذه التغيرات المناخية مستمرة، ويمكن أن تسوء الأمور أكثر، ففي عام 2020 سُجِلت في شهر ديسمبر أعلى درجات الحرارة على الإطلاق، وهذه النتائج دقيقة حتى شهر أبريل من عام 2021م.

ربما تكون هذه المعلومة قاسية للغاية، ولكنها واقعية، وعلى الجميع تجهيز أنفسهم للتعامل مع هذه التغيرات في المستقبل.

لا يمكن لشخص منا عكس التغير المناخي، ولكن يمكن اتخاذ العديد من الخطوات لحماية صحتك النفسية، وفيما يلي في الفقرات الآتية أهم هذه الخطوات.

اعترف بمشاعرك

لا بأس بشعورك بالقلق أو الخوف نتيجة تغيرات المناخ وتأثيرها على صحتك وصحة أطفالك أو حتى صحة جميع من على هذا الكوكب، فلا تخفي هذه المشاعر.

تحدث مع أصدقائك وعائلتك، ستجدنهم يُشاركونك اهتماماتك ذاتها، وبذلك يقل شعورك بالوحدة.

دع أطفالك يتحدثون عن مشاعرهم

الأطفال يقلقون أيضًا لكنهم لا يُظهِرون هذا القلق، وهم بارعون في إخفائه، لذلك اسمح لأطفالك بالتحدث عما يسمعونه أو يرونه.

اسمح لأطفالك بطرح الأسئلة، واسمح لهم بالإجابة عن الأسئلة بصدق وشفافية، وعلمهم كيف يرون الأمل، بالإضافة إلى ملاحظة الآثار الجانبية المحيطة بهم، وأن الحياة ليست بأكملها عبارة عن كوارث.

وضع خطة أمان

يمكنك جعل نفسك وأسرتك أكثر استعدادًا للكوارث المناخية أو الاجتماعية، تعلم كيفية التصرف خلال الطوارئ وعلم ذلك لأطفالك، وتعلموا أيضًا الاسعافات الأولية، بالإضافة إلى كيفية تجهيز الحقائب للهروب في لحظات الطوارئ.

يمكنك أيضًا تزويد منزلك بمستلزمات السلامة كطفايات الحريق، مصادر المياه، المصابيح وراديو يدوي.

انخرط مع مجتمعك

أجريت دراسة قديمة في موسم الأعاصير في فلوريدا لدراسة الحالة النفسية للأشخاص الذين عايشوا تلك الفترة، ووُجد أن الأماكن التي انخرط فيها جميع أفراد المجتمع معًا كانت صحتهم العقلية أكثر توازنًا.

في النهاية، ابحث دائمًا عن الطرق التي تخفف من توترك، ولا تتهرب من مشاعرك، بل تعايش معها وحافظ على مرونتك العقلية حين تشعر بأن الأمور المحيطة بك خارجة عن إرادتك.

اقرأ أيضًا: أثر غذائك على دماغك: كيف يؤثر طعامك على صحتك العقلية؟

المرجع:

‫0 تعليق